Wednesday, January 10, 2007

الوسطية فى الأسلام ودلالتها من السنة النبوية




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله...
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار...


وبعد فأول ما أبدأ به بعون الله تعالى و توفيقه هو الكلام عن وسطية الاسلام ،فاللهم أجعل كلامى موفق باذن الله تعالى.....


ولعل بدأ اول حديثى بهذا هو:


"إن مقوِّمات رسالة الإسلام الخالدة إلى يوم القيامة القائمة على الخلود والخاتمية تتطلب المنهج الرصين والحكيم والنابع من منطق العقل ذو العقلانية ، والحكمة ، والاعتدال ، والسماحة والتوازن ، ومسايرة الفطرة الإنسانية ، والواقع المعيشي ، ومراعاة اختلاف الأمزجة والميول والرغائب ، وإقرار الأمن والسلام ، والحرص على تطبيق العدل والمساواة والحرية ، وصون الكرامة الإنسانية ، وكل ما من شأنه الحفاظ على حقوق الإنسان ، والإشادة بالبناء العقدي الراسخ والبعد عن كل عوامل الهدم والضعف والأساطير والخرافات .
والوصول إلى تحقيق هذه الغايات السامية يتطلب إدراك مفاهيم الإسلام في علاقته مع الأفراد والشعوب والأمم والدول على حد سواء ، حتى لا تهتز الثقة بشريعة الوحي الإلهي المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة ، ويلمس كل إنسان أن المصلحة الحقيقية والتماس النجاح أو النجاة ، والاطمئنان والراحة النفسية تتجسد كلها في الخطاب الإلهي التشريعي العقدي والتعبدي والتعاملي والأخلاقي والسلوكي والاقتصادي والإنساني ، والفقه الحضاري القويم القائم على التجرد والموضوعية والتعادل في التبادل ، والاستقرار والشمول ، والواقعية المنسجمة مع المثل العليا القائمة على محبة الخير والإحسان ، والتضحية والإيثار ، والأخوة الإنسانية ، والاعتقاد الحق ، وترسيخ معالم المدنية والتحضر ، وتوفير الشعور بالطمأنينة والإحساس بالسعادة الغامرة في عالم الدنيا والآخرة ، ولا سيما في عصرنا الحاضر حيث يتعرض الإسلام وأهله لتحديات خطيرة ، واتهامات مغرضة ، وافتراءات وأباطيل في مظلة ما سموه مكافحة الإرهاب والعنف والتطرف ، والإسلام منه براء "(1).




وهذا يتطلب منا إلقاء الضوء علىمفهوم وسطية الأسلام،وحتى لا تهرب منا الأفكار وتصير كالغبار، فسوف نسقط الضوء على النقاط التالية:
- معنى الوسطية فى اللغة العربية.
- استعمالات كلمة الوسط في القرآن الكريم.
- أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى الوسطية.
- تحرير المعنى الحقيقى للوسطية.
- قواعد وأسس فى فهم الوسطية.
- ملامح الوسطية الأسلامية.
- وأخيراً منهج الوسطية فى بعض أمور الدين.
أولاً: معنى الوسطية فى اللغة العربية:
جاءت كلمة (وسط) في اللغة لعدّة معانٍ، ولكنها مُتقاربة:
قال زين الدين الرازى:" والوَسَط من كُلّ شَيْءٍ أَعْدَلُه ومنه قولُه تعالى:(وكذلك جَعَلْنَاكُم أمَّةً وَسَطاً) أي عَدْلاً " (2) وقال الجوهرى:" وَسَطْتُ القومَ أسِطُهُمْ وَسْطاً وسِطَةً، أي توسَّطْتُهُمْ. وفلانٌ وَسيطٌ في قومه، إذا كان أوْسَطَهُمْ وأرفعَهُم مَحَلاًّ. قال العَرْجِيُّ:كأنِّي لم أكنْ فيهم وَسيطاً ... ولم تَكُ نِسْبَتي في آل عَمْرِو "(3)
وقال الفيروزآبادي :" الوسط - محركة - من كل شيء: أعدله" و قال ابن منظور :" ووسط الشيء وأوسطه: أعدله"(4).


(1) وسطية الإسلام وسماحته. أ د . وهبة بن مصطفى الزحيلي جامعة دمشق - كلية الشريعة (2) مختار الصحاح( حرف الواو ) نسخة إلكترونية (3) الصحاح فى اللغة(حرف الواو ) نسخة إلكترونية (4) لسان العرب مادة (وسط) والقاموس المحيط مادة (وسط)


وقال ابن منظور أيضاً:" أَنّ الوسَط بالتحريك اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه كقولك قَبَضْت وسَط الحبْل وكسرت وسَط الرمح وجلست وسَط الدار ومنه المثل يَرْتَعِي وسَطاً ويَرْبِضُ حَجْرةً أَي يرْتَعِي أَوْسَطَ المَرْعَى وخِيارَه ما دام القومُ في خير فإِذا أَصابهم شَرٌّ اعتَزلهم ورَبَضَ حَجرة أَي ناحية منعزلاً عنهم "(1)
وقال مؤلف المصباح المنير: " يُقال شيء وسط، أي بين الجيد والرديء"(2) وهو لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " و لكن من وسط أموالكم ، فإن الله لم يسألكم خيره و لم يأمركم بشره "(3)
و (الوسيط): المتوسّط بين المتخاصمين(4) و(التوسط): بين الناس من الوساطة (5) وهي الشفاعة. و(التوسيط): أي تجعل الشيء في الوسط (6) و(التوسيط): - أيضًا - قطع الشيء نصفين (7) . ويقول الطبرى:" وأما"الوسَط"، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه:"فلان وَسَطُ الحسب في قومه"، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، و"هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ "(8).
ومن هنا نعلم أن كلمة وسط لها معانٍ متقاربة، ولكنها لا تنحصر فى اطلاق المعنى على الصفة الواقعة بين صفتين مذمومتين فيهما إفراط وتفريط.


(1)لسان العرب مادة وسط.
(2) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير،كتاب الواو.
(3) أخرجه أبو داود ( 1 / 250 )و الطبراني في " المعجم الصغير " ( ص 115 ) و البيهقي في " السنن " ( 4 / 95 )و صححه الألبانى فى الصحيحة (1046).
(4) القاموس المحيط مادة (وسط). (5) الصحاح مادة (وسط). (6)،(7) الصحاح مادة (وسط)
(8) تفسير الطبرى(البقرة:143).




ثانياً: استعمالات كلمة الوسط في القرآن الكريم:
كلمة وسط ذُكرت فى قول الله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }(1)
وقد فسّرها الطبرى رحمه الله تعالى قائلاً:" وأنا أرى أن"الوسط" في هذا الموضع، هو"الوسط" الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل"وسَط الدار" محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في"سينه" التخفيف.وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم"وسَط"، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها".اه(2)
و قد جاءت السنه مبينة لمعنة الآية فيما رواه البخارى عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ{ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ ))(3)
قال الحافظ ابن حجر:" لا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْوَسَط فِي الْآيَة صَالِحًا لِمَعْنَى التَّوَسُّط أَنْ لا يَكُون أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ الْآخَر كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث ، فَلا مُغَايَرَة بَيْن الْحَدِيث وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْآيَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ ".اه(4)وأخرجه مختصراً من أكثر من طريق الطبرى، ولكن بلفظ:(({وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا} قال، عُدولا ))(5). وكل الروايات التي رأينا ، فيها"عدلا" بدل"عدولا" . ولعل ما هنا من تحريف الناسخين ، لأن الأجود صيغة الإفراد.


(1) البقرة:143 (4) الفتح:كتاب التفسير.
(2) تفسير الطبرى(البقرة:143). (5) تفسير الطبرى(البقرة:143).
(3)البخارى: قَوْلُهُ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}،و مسند أحمد:مسند ابى سعيد، والترمذى:البقرة، وغيرهم .




وقال ابن الجوزى عن الآية:" سبب نزولها أن اليهود قالوا : قبلتنا قبلة الأنبياء ، ونحن عدلٌ بين الناس ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل . والأمة : الجماعة والوسط : العدل ، قاله ابن عباس ، وأبو سعيد ، ومجاهد ، وقتادة ، وقال ابن قتيبة : الوسط : العدل ، الخيار ، ومنه قوله تعالى : { قال أوسطهم } (1) أي : أعدلهم ، وخيرهم . قال الشاعر :همُ وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إِذا نزلت إِحدى الليالي بِمُعْظَم
وأصل ذلك أن خير الأشياء أوساطها ،والغلو والتقصير مذمومان ".اه(2)
وقال سيد قطب في تفسيره لهذه الآية: " إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط؛ وتضع لهم الموازين والقيم؛ وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها ، وتقول : هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها . وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها؛ فيقرر لها موازينها وقيمها؛ ويحكم على أعمالها وتقاليدها؛ ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها . ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعداداً لائقاً " .اه(3)
وقال السعدى:" { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم،
فلذلك كانوا { أُمَّةً وَسَطًا } [كاملين] ليكونوا { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط،


(1) القلم: 28 (2) زاد المسير: (البقرة:143). (3) ظلال القرآن: (البقرة:143).




يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها.
فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }" .اه(1)
وبهذا نكون عرضنا أهم أقوال المفسرين فى قول الله تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }(2)....
وذُكرت ايضاً وسط فى القرآن عند قوله تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }(3)
و قوله تعالى: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ }(4) و قوله تعالى: { قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ }(5)
واعلم أن آية المائدة إختلف المفسرون فيها من بين الأفضل، وبين القليل والكثير، وبين الجيّد والرديء، أو الشدَّة والسّعة.أما آية القلم فاتَّفق أكثر المفسرون على تفسيرها بمعنى الأفضل والخيار وهو الأعدل.
(1)تفسير السعدى: (البقرة:143).
(2) البقرة:143
(3) البقرة:238
(4) المائدة: من الآية 89
(5) القلم:28


ثالثاً:أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى الوسطية:
1-عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ{ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ ))(1)
والحديث واضح فى أن أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم عادلة غير ظالمة ، لذلك لم يشهدوا مع قوم نوح بالباطل، فأمة محمد ، صلى الله عليه وسلم قال الله فيهم: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }(2).
2- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ:(( بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ))(3) قال شيخ الأسلام ابن تيمية:" وقوله : « إياكم والغلو في الدين » عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال .والغلو : مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك ".اه(4)
3- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ))(5)
قال ابن حجر:" قَالَ اِبْن الْمُنِير : فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاس قَبْلنَا أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع فِي الدِّين يَنْقَطِع ، وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة ، بَلْ مَنْع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال ، أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل ، أَوْ إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وَقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْل......


(1)أخرجه أحمد:مسند ابى سعيد،والبخارى: قَوْلُهُ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، والترمذى:البقرة، وغيرهم . (2) الأعراف:181
(3) أخرجه أحمد:مسند ابن عباس، والنسائى:باب التقاط الحصى،وابن ماجة: باب قدر حصى الرمى، و رواه أصحاب الصحاح : ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي والنووي وابن تيمية والألبانى فى (الصحيحة)(1283).
(4) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ( فصل:فى ذكر الأدلة على الأمر بمخالفة الكفار)
(5) أخرجه البخارى(حديث رقم 38) و النسائى(4948)




كُلّه وَيُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِر اللَّيْل فَنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة ، أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْت
الْمُخْتَار ، أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَخَرَجَ وَقْت الْفَرِيضَة".اه(1)
4- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا))(2)
قال النووى: " أَيْ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُود فِي أَقْوَالهمْ وَأَفْعَالهمْ ".اه(3)
5- عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ))(4)
قال صاحب فيض القدير:"(إن هذا الدين متين) أي صلب شديد (فأوغلوا) أي سيروا (فيه برفق) من غير تكلف ولا تحملوا على أنفسكم ما لا تطيقونه فتعجزوا وتتركوا العمل والإيغال كما في النهاية السير الشديد والوغول الدخول في الشئ اه والظاهر أن المراد في الحديث السير لا يفيد الشدة إذ لا يلائم السياق وقال الغزالي أراد بهذا الحديث أن لا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة بل يكون بتلطف وتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئا فشيئا حتى تنفصم تلك الصفات المذمومة الراسخة فيه ومن لم يراع التدريج وتوغل دفعة واحدة ترقى إلى حالة تشق عليه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا ينفر عنه وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق وله نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعليم ابتداء قهرا فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم"(5)
6- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ ))(6)


(1)فتح البارى:(شرح حديث رقم 38)
(2)أخرجه أحمد:مسند ابن مسعود(3473)، ومسلم (4823) ، وأبى داود (3992) .
(3) شرح صحيح مسلم (4823).
(4) أخرجه أحمد:مسند أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ(12579)وأخرجه أيضاً البيهقى فى (السنن الكبرى)و(شعب الأيمان) ولكن بزيادة:".... ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا ابقى فاعمل عمل امرئ يظن ان لن يموت ابدا أو احذر حذرا يخشى ان يموت غدا " والحديث قد حسّنه الألبانى فى (صحيح الجامع)(2246)،ولكن زيادة البيهقى ضعيفة لا تصح.
(5)الفيض القدير:( حديث:2508)
(6)أخرجه أحمد(14986)، وابن أبى شيبة فى (المصنف)(2/292) وصححه الألبانى فى (الصحيحة)(260)




7- عن أَنَس بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:(( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))(1)
8- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:(( إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ
حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى
كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو قَتَادَةَ قَالَ مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي قُلْتُ مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ قَالَ حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ قُلْتُ هَذَا رَاكِبٌ ثُمَّ قُلْتُ هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ قَالَ فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ قَالَ فَقُمْنَا فَزِعِينَ ثُمَّ قَالَ ارْكَبُوا فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ
كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ قَالَ وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى
الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ فَجَعَلَ بَعْضُنَا
يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ثُمَّ قَالَ أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ
تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا
))(2)


(1)أخرجه البخارى(4675). (2)أخرجه مسلم (1099).




9- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ))(1)
10- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:(( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا ))(2)
قال النووى:" قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا ) وَفِي حَدِيث أَنَس - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - : ( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ) إِنَّمَا جَمَعَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ بَيْن الشَّيْء وَضِدّه ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلهُمَا فِي وَقْتَيْنِ ، فَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسَّرَ مَرَّة أَوْ مَرَّات ، وَعَسَّرَ فِي مُعْظَم الْحَالَات ، فَإِذَا قَالَ ( وَلَا تُعَسِّرُوا ) اِنْتَفَى التَّعْسِير فِي جَمِيع الْأَحْوَال مِنْ جَمِيع وُجُوهه ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوب ، وَكَذَا يُقَال فِي ( يَسِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ) ، ( وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا ) ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَتَطَاوَعَا فِي وَقْت وَيَخْتَلِفَانِ فِي وَقْت ، وَقَدْ يَتَطَاوَعَانِ فِي شَيْء وَيَخْتَلِفَانِ فِي شَيْء .وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْأَمْر بِالتَّبْشِيرِ بِفَضْلِ اللَّه وَعَظِيم ثَوَابه وَجَزِيل عَطَائِهِ وَسِعَة رَحْمَته ، وَالنَّهْي عَنْ التَّنْفِير بِذِكْرِ التَّخْوِيف وَأَنْوَاع الْوَعِيد ، مَحْضَة مِنْ غَيْر ضَمّهَا إِلَى التَّبْشِير .وَفِيهِ : تَأْلِيف مَنْ قَرُبَ إِسْلَامه وَتَرْك التَّشْدِيد عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَارَبَ الْبُلُوغ مِنْ الصِّبْيَان ، وَمَنْ بَلَغَ وَمَنْ تَابَ مِنْ الْمَعَاصِي كُلّهمْ يُتَلَطَّف بِهِمْ وَيُدَرَّجُونَ فِي أَنْوَاع الطَّاعَة قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَقَدْ كَانَتْ أُمُور الْإِسْلَام فِي التَّكْلِيف عَلَى التَّدْرِيج فَمَتَى يُسِّرَ عَلَى الدَّاخِل فِي الطَّاعَة أَوْ الْمُرِيد لِلدُّخُولِ فِيهَا سَهُلَتْ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ عَاقِبَته غَالِبًا التَّزَايُد مِنْهَا ، وَمَتَى عَسُرَتْ عَلَيْهِ أَوْ شَكَّ أَنْ لَا يَدْخُل فِيهَا ، وَإِنْ دَخَلَ أَوْ شَكَّ أَنْ لَا يَدُوم أَوْ لَا يَسْتَحِيلهَا".اه(3)
11- عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ(( نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ ))(4)
12- عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))(5)


1) أخرجه مسلم (2703)، والنسائى فى (الكبرى) (9208)، والبيهقى فى (السنن)(7/38).
(2) أخرجه البخارى(2811)(3996)(3998)(5659)(6637)، ومسلم (3263).
(3) شرح صحيح مسلم (3262).
(4) أخرجه البخارى(6749).
(5)هو جزء من حديثٍ طويل أخرجه أحمد: مسند مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ(19458)، والحديث استشهد به الحافظ فى (الفتح)(تحت حديث رقم 38) مما يدل على صحته أو على الأقل حسنه.




فهذه أحاديث تبين كيفية نهى الاسلام عن الغلو و مجاوزة الحدود و التنطع والنهى أيضاً عن الجفاء ، فان دين الأسلام هو دين الوسط والاستقامة ، لذلك لما قال سفيان بن عبد الله رضي الله عنه للنبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قلت يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم" ))(1)
فأخص رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستقامة بعد الايمان لانها لُب الاسلام ، فبدونها ضاع الاسلام وراح بين كل غالٍ و جافٍ و متنطعٍ و متساهل.
فمن أراد الاسلام عليه بالاستقامه و هى الوسط فى كل شئ ، لذلك عندما وضع النبى صلى الله عليه وسلم يده على خطٍ قد رسمه على الارض ، فقال عنه هذا سبيل الله ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:(( كنَّا عند النبي، صلى الله عليه وسلم فخطَّ خطًّا وخطَّ خطين عن يمينه، وخطَّ خطَّين عن يساره، ثم وضع يده على الخطَّ الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }))(2)فالاستقامة تجعلك على الصراط المستقيم و تغرقك فى بحر من نعم الله سبحانه و تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( استقيموا ولن تحصوا))(3)
ان الاسلام نزله الله تعالى على العالمين ليكون ديناً وسطاً، حتى ان الله تعالى جعل كلامه بين الوعد و الوعيد، فيجب على المسلم أن يكون وسطاً،ليس كالذى يتساهل قائلاً:" .... ان الله هو الرحمن الرحيم، وقال(ص):( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)(4) والله هو الغفور........."وهكذا يستمر فى التمويه حتى يبعد عن التكاليف
ويهرب بتساهله، فنرد عليه سريعاً بكسر صنم التساهل الذى يُعبد من دون الله: ان الله تبارك وتعالى كما هوالغفور الرحيم ،هو ايضاً الذى أخبرنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:(( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة :


(1) أخرجه عبد الرزاق فى (المصنف)(20111)،و أحمد:مسند سفيان بن عبد الله الثقفى(14869)، ومسلم(55)،والترمذى(ما جاء فى حفظ اللسان)(2334)، و النسائى فى (الكبرى) حديث رقم (11489)
(2) أخرجه أحمد:مسند جابر بن عبد الله (14739)، و ابن ماجه: اتباع سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم(11) ، وقد صححه الالبانى فى (صحبح ظلال الجنه)(16).
(3)رواه مالك(تحت حديث رقم 60)، والطيالسى فى (المصنف)(1078)،و أحمد ح(21344) و (21400)، والدارمي(680)، و ابن ماجة ح(273) و (274)، والحاكم (411)وصححه على شرط مسلم ، وصححه الالبانى فى (مشكاة المصابيح)(292).
(4)أخرجه الترمذى ح(2562)، و قد صححه الالبانى فى (فقه السيرة)ح(38).




العاق لوالديه و المرأة المترجلة المتشبهة بالرجال و الديوث و ثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه و المدمن الخمر و المنان بما أعطى))(1) .
فان كان هذا هو حكم الله فى مدمن الخمر او العاق او الديوث وما أكثرهم، فدعك من التساهل واياك أيضاً من الغلو، ففي وصية ابن عباس لمجاهد قال:" لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه أفضل ولاآمن عليك الخطأ ولا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعاً فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت".اه(2)
رابعاً: تحرير المعنى الحقيقى للوسطية:
من خلال ما سبق اتَّضح لنا أن كلمة (وسط)، تستعمل في معانٍ عدَّة أهمّها:
1- بمعنى الخيار والأفضل والعدل.
2- قد ترد لما بين شيئين فاضلين.
3- وتستعمل لما كان بين شرّين وهو خير.
4- وتستعمل لما كان بين الجيّد والرديء، والخير والشَّرّ.
5- وقد تُطلق على ما كان بين شيئين حسًّا، كوسط الطّريق، ووسط العصا.
ولكن فى المجمل الصحيح الوسطية هى مؤهل الأمة الإسلامية من العدالة، والخيريّة للقيام بالشهادة على العالمين، وإقامة الحجة عليهم، أما ما شاع عند الناس وانتشر من الوقوف عند أصل دلالتها اللغوية، أي التوسط بين طرفين، مهما كان موضع هذا الوسط - الذي تم اختياره - من صراط الله المستقيم، التزامًا وانحرافًا، فليس بمفهوم صحيح وفق ما تبينه الآيات والأحاديث ، ويؤكّد هذا المعنى أنه لا يلزم لكل ما يُعتبر وسطًا في الاصطلاح أن يكون له طرفان، فالعدل وسط ولا يقابله إلا الظّلم، والصّدق وسط ولا يقابله إلا الكذب .
وهناك من جعل الوسطيَة من التوسط بين الشيئين دون النظر إلى معنى الخيرية التي دل عليها الشرع،وهذا لا يصح، أما اذا تأملنا فى ما ورد في القرآن والسنَّة والمأثور من كلام العرب، سوف نعلم ان الوسطية لا يصح إطلاقها إلا إذا توافرت فيها صفتان:


(1)أخرجه الطبرانى فى(الأوسط)ح(2538)، والبيهقى فى (شعب الايمان)ح(7556)،وصححه الالبانى فى (صحيح الجامع)ح(3071).(2) (قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد) لأبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكى




1-الخيريَّة ، أو ما يدلّ عليها كالأفضل والأعدل أو العدل.
2- البينيَّة ، سواء أكانت حسِّيَّة أو معنويَّة.
والقارئ لكلام شيخ الإسلام فى (العقيدة الوسطية)، يتَّضح له التلازم بين الخيرية والبينية في استخراج معنى الوسطية في ضوء المنهج الذي سلكه ابن تيمية - رحمه الله - للوصول إلى تحقيق هذه المسألة، وبيان اتصاف هذه الأمة بهذه الصفة الحميدة.
عن عبد الله بن معاوية الغاضري رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من فعلهنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنَّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيّبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرة ولا المريضة، ولا الشّرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإنَّ الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشرّه ))(1)
نجد هنا ان البينية و الخيرية واضحتان فى هذا الحديث،فالبينية ذكرها النبى صلى الله عليه وسلم واضحة جلية،أما الخيرية فهى تأتى ظاهرة فى:
- أمر الرَّسول ، صلى الله عليه وسلم بذلك دليل على هذه الخيريَّة، فلا يأمر، صلى الله عليه وسلم إلا بخير، { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } (2). وهل أمرُ الرسول، صلى الله عليه وسلم إلا وحي يُوحى.
- أن الخيريَّة الكاملة يجب أن تنظر إلى مصلحة الفقير ومصلحة الغني - صاحب المال - جميعًا، دون ترجيح لإحدى المصلحتين على الأخرى، وهذه هي الوسطية.


(1)أخرجه ابى داود(1349)،والطبرانى فى (الصغير)(556) وقد صححه الالبانى فى (الصحيحة)(1046).


(2) الأعراف: من الآية 29




خامساً:قواعد وأسس فى فهم الوسطية:
أنَّ كل أمرٍ اتَصف بالتفريط أو بالجفاء(1)، فإنه يُخالف الوسطية، وبمقدار اتصافه بأيّ من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطيَّة وتجافيه عنها.
- تأخير الصلاة عن وقتها تفريط، ولذلك ورد في الحديث: « أمَّا إنّه ليس في النوم تفريط، إنَّما التَّفريط على من لم يصلّ الصّلاة حتى يجيء وقت الصَّلاة الآخر » (2) .
فهذه امثال للتفريط والجفاء حتى تعلم الاسس فى فهم الوسطية دون اطالة منى:
- رؤية المنكرات وعدم إنكارها مع القدرة تفريط.
- إهمال تربية الأولاد، تفريط.
- ترك الأخذ بالأسباب، تفريط.
- تأخير عمل اليوم إلى الغد - دون سبب - تفريط.
- الغلظة في المعاملة، جفاء.
- عقوق الوالدين، جفاء.
- قطع الأرحام وعدم صلتهم، جفاء وتفريط.
- عدم القيام بحقوق العلماء وضعف الصلة بهم، جفاء وتفريط.
- السلبيَّة مع واقع المسلمين وشئونهم وشجونهم، جفاء وتفريط.


(1) التَّفريط فى اللغة بمعنى التَّضييع او الابعاد كما في ( لسان العرب )،أما الجفاء فقد قال ابن منظور:"جَفَأَ الرَّجلَ جَفْأً صَرَعه وفي التهذيب اقتَلَعه وذَهَب به الأَرضَ وأَجْفَأَ به طَرَحه"اهـ (لسان العرب)(باب جفأ)
(2)أخرجه مسلم ح(1099)




سادساُ: ملامح الوسطية الأسلامية:
ان ملامح الوسطية تنحصر فى أربع أوجه وهى:
1-الخيريَّة.
2- البينيَّة.
3- اليسر ورفع الحرج.
4- الاستقامة.
فهذة أربع أوجه كجدران الدار ،فاذا أمتلكتهم أصبحت من أهل البيت.
- الخيرية:
هى واضحة تماماً فى حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ((أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))(1)
فبين رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انه يأخذ بالوسطية فى قوله:(( لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ))(2)، ولكنها الوسطية الخيرية لانه سبق قوله بأفضل معانى الخيرية وهى:(( إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ))(3).


(1) أخرجه البخارى ح(4675)
(2)الحديث السابق (3) الحديث السابق




- البينيَّة:
والأمثلة تبرهن على ذلك:
1- امتناع عن الزّواج مطلقًا - إفراط.ويقابله التَّفريط وهو اتّباع الشّهوات دون وازع أو قيد.
وبينهما: قضاء الشّهوة والوطر، ولكن ضمن الضّوابط الشّرعيَّة، ويتمثَّل في الزّواج وهذا هو الوسط، وهو المشروع.
2- صيام دائم - إفراط.والإفطار دائمًا - تفريط.والصيام أحيانًا - والفطر أحيانًا - وسط بين الأمرين - وهو المشروع في ضوابطه الشرعيَّة.
3- القيام مطلقًا - إفراط.والنوم مطلقًا - تفريط.والقيام والنوم حسب الطّاقة ودون تكلّف - وسط، وهذا هو المشروع.
أمّا الحكمة: فإنَّه بالنّظر إلى قدرة النَّفس ومدى تحمّلها، وغفلة القوم عن قدرتهم في فورة الحماس والاندفاع، فجاء الرسول، صلى الله عليه وسلم يضع الأمور فى مواضعها، ويجعلها في مسارها الطّبيعي،فان((أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ))(1) ولو التزم هؤلاء الرّجال بما قالوا لتعبوا عاجلا أو آجلا. ثم إنَّ هذا الفعل نفسه مخالفة لصريح الحكمة وحقيقتها، وذلك أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه.

- اليسر ورفع الحرج:
رأينا فعل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى الحديث قبل السابق أنه يتزوّج النّساء مع ما في ذلك من قضاء الوطر، والمودّة والرّحمة، وإنجاب الأولاد.والنوم ....وغيره.
إذن فالوسطيَّة في اليسر ورفع الحرج، وليس في التّكلّف والمشقَّة والعَنَت.


- الاستقامة:
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))(2)


(1)أخرجه مسلم ح(1958) (2) أخرجه البخارى ح(4675)




فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوّج النّساء، فهذا العمل الذي يمثّل الوسطيَّة،وهذا قد وضحته من قبل-أن الاستقامة هى أم عين الوسطية- وهل الاستقامة إلا الالتزام بسنَّته والأخذ بها.
فان الخروج عن ملامح الوسطيَّة له آثاره السلبيَّة، إمَّا عاجلا أو آجلا، وهذا يُخالف الحكمة ويُنافيها.
ومن الأمثلة التي توضّح ذلك:
قول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ))(1)
فأمر الابن بالصّلاة لسبع سنين، وضربه عليها ضربًا غير مبرِّح بعد بلوغ العاشرة، فإنَّنا نجد التوسّط في هذه القضية ظاهرًا بين الإفراط وبين التّفريط، وهذه هي الحكمة، حيث فرَّق بين من لم يبلغ السّابعة، وبين من بلغها، وكذلك من بلغ العاشرة يختلف أمره، ثم من أدرك الحلم يختلف عمَّا سبق....
ومن يتتبع السنة يجد فيها الكثير من الاحاديث الدالة على الاستقامة الشاملة للخيرية و للبينية.
سابعاً: وأخيراً منهج الوسطية فى بعض أمور الدين:
1- الوسطية فى العقيدة:
تتجلى في أسس الإيمان وأركانه العظام حيث الوضوح والخلو من الغموض والطلاسم والتعقيد ، فالإيمان بالله تعالى وبوجوده مركوز في الفطرة ، ودلائل ذلك واضحة جلية في صفحة الكون وأغوار النفس ، والإيمان بأنه لا إله إلا هو وأنه متفرد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأنه ليس كمثله شيء ، كذلك واضح وضوح الشمس في آيات التنزيل الحكيم وفي آيات الله في الكون ، والوسطية في اعتقاد العقيدة القويمة في ذلك دون غلو ولا إفراط ولا تفريط أيضا مظهر من مظاهر الاعتدال ، والمسلمون يبتهلون إلى الله كل يوم خمس مرات قائلين{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }(2) هي دعوة أن يهديهم الصراط المستقيم ، الذي هو وسط بين طريق المغضوب عليهم وهم اليهود وبين الضالين وهم النصارى . وهي دعوة أن يثبتهم على ذلك .لذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية:" فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم ، وعبدوا تماثيلهم ، واليهود


(1)أخرجه أحمد ح(6467) و صححه الالبانى فى (ارواء الغليل)ح(247)
(2) الفاتحة : 6-7




استخفوا بهم حتى قتلوهم ، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم ؛ فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود".اهـ(1)
فقد جعل الله تعالى أمة الاسلام أمة معندلة فى العقيدة فاليهود عليهم لعائن الله تعالى وصفوا الخالق بصفات النقص، فيشبهونه بالمخلوق الموصوف بالنقائص ، وأما النصارى فيصفون المخلوق بصفات الخالق التى اختص بها فلا يشركه فيها غيره فقالوا : ان المسيح هو الله ولذلك كانت النصارى أكثر شركاً فى العبادات واليهود أكثر تعطيلاً لها .
فاليهود أكثر استكباراً و جحوداً والنصارى أكثر وأعظم اقراراً بالباطل واشراكاً به . فهؤلاء وهم اليهود يكذبون بالحق و يجحدونه ، وأولئك يصدقون بالباطل و يتبعونه و هم النصارى.
و أما أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهى الأمة التى عبدت الله وحده لاتشرك به شيئاً ، يصفونه سبحانه و تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،وصفوه بالكمال ، ونزهوه من النقائص كلها.

2- الوسطية فى منهج الدعوة:
وهو منهج قائم على الاعتدال أساسه الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، عماده اللين والرفق في غير ضعف ، وفي الوقت ذاته الجدال بالتي هي أحسن للإقناع وإقامة الحجة ، ثم الجلاد لمن كابر وعاند . ولكن دون إكراه ولا قهر ، فمن آمن فله ما لنا وعليه ما علينا ، ومن اختار دينه فلا حرج على أن يكف عن المسلمين يده ولسانه قال تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(2).


(1)اقتضاء الصراط المستقيم(2/156)
(2) البقرة : 256






3- الوسطية فى الأخلاق:
عَنْ زُرَارَةَ :((أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَالَ عَائِشَةُ فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أَنَا بِقَارِبِهَا لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا قَالَ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا فَأَذِنَتْ لَنَا فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ أَحَكِيمٌ فَعَرَفَتْهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَتْ مَنْ مَعَكَ قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَتْ مَنْ هِشَامٌ قَالَ ابْنُ عَامِرٍ فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ خَيْرًا قَالَ قَتَادَةُ وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ))(1)
فخلق النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت القرآن ،والقرآن هو المنهج السوى القويم،لذلك قال ربنا سبحانه و تعالى:
{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(2).
فقد أخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن الذي هو خير منهاج للوسطية ليكون خلقاً له.


(1)أخرجه مسلم ح(1233)
(2) القلم:4




4- الوسطية فى الحوار:
من السنة النبوية عشرات الأمثلة يتبين من خلالها أنه صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحوار حتى في أحلك الظروف، ومنها:
يوم الحديبية لما كتب النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلح وكان ينص على أن يطوف المسلمين بالبيت مقابل أن كل رجل من قريش يأتى الى النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرده اليهم وان كان على دين نبينا صلى الله عليه وسلم،فبينما وقف المسلمين يتعجبوا من هذا الصلح ((إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجِزْهُ لِي قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلَى فَافْعَلْ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ :أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ: بَلَى قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ: بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ قَالَ:قُلْتُ:لَا قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ ))(1)
ففى أحلك الأوقات كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحاور أصحابه بكل يسر دون أى ضيق.
وحاور ابن عباس الخوارج، فعن أَبُو زُمَيْلٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، قَالَ:((لَمَّا اعْتَزَلَتْ حَرُورَاءَ، وَكَانُوا فِي دَارٍ عَلَى حِدَتِهِمْ، قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ عَنِ الصَّلاةِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، فَأُكَلِّمَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي
أَتَخَوَّفُهُمْ عَلَيْكَ، قَالَ: قُلْتُ: كَلا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْيَمَانِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلْتُ
عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثَفِنُ الإِبِلِ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّبَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَ الْوَحْيُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُحَدِّثُوهُ،وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُحَدِّثَنَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَا تَنْقِمُونَ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَتَنِهِ،


(1)قطعة من حديث أخرجه البخاري ح(2529)




وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ؟ قَالُوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَوَّلُهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: "إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ"[الأنعام آية 57] ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَمَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لا تُنْكِرُونَ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ"[المائدة آية 95] إِلَى قَوْلِهِ: "يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ"[المائدة آية 95] ، وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا"[النساء آية 35] ، أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَوَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ، أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلامِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ"[الأحزاب آية 6] ، فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، فَاخْتَارُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ؟ أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدَ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ، فَقُتِلُوا))(1)


(1)أخرجه عبد الرزاق فى (المصنف)ح(18678)،ومن طريقه أخرجه الطبرانى فى(المعجم الكبير)ح(10451),قال الهيثمى فى(مجمع الزوائد)(كتاب: المغازى والسير/باب: ما جاء في ذي الثدية وأهل النهروان) :" رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح"اهـ




- الوسطية فى العبادات :
من أصول الوسطية التى أقدمنا على شرحها هى اليسر فى الدين ، فان الله تعالى لا يقضى بأمر الا و النفس قادرة عليه ، فلا ينبغى على محدود العقل أن يوجب على رب العالمين ما لم يوجبه عليه.
ومن هنا يقول قائل ألم يقل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))(1)؟
نقول له بلى ، ولكن أنظر الى عبادة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و أنظر كيف كانت شريعة الله تبارك و تعالى تتدريجية ، فالصلاة امر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها قبل فرضية الصيام و الزكاة بثلاثة عشر عاماً، وتحريم الخمر كان تتدريجياً ، و انظر الى عبادته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى رمضان فقد كان يعبد الله تعالى فى الايام العشرة الاولى أكثر من الايام الأخرى ، ثم تزداد عبادته فى العشرة الوسط ، ثم يصل الى ذروة عبادته فى العشرة الأخيرة.ان الاسلام هو دين اليسر ، فكثيراً ما يُرفع عنا أفعال واجبة كالسواك قبل كل صلاة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ))(2)
و قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ وَلَكِنْ لَا أَجِدُ حَمُولَةً وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ))(3)
فان دين الله تعالى يسر ، فانظر الى قول نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا))(4)
وبالرغم من عبادة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكاملة بالنسبة الى البشر ، فانه كان يأكل و يشرب و ينام و يفطر ، كما قال حُمَيْدٌ :سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:(( مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مِنْ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))(5).


(1) أخرجه البخارى ح(1130) ، و مسلم ح(5044). (2) أخرجه البخارى ح(887). (3) أخرجه البخارى ح(2972).(4) أخرجه البخارى ح(1970). (5) أخرجه البخارى ح(1973).




فلم يشدد علينا دين الاسلام كما شدد على سائر الأمم ، قال شيخ الاسلام ابن تيمية : " دِينُ الْإِسْلَامِ فِيهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا هُوَ وَسَطٌ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ فَلَمْ يُشَدَّدْ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ كَمَا شُدِّدَ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ بِظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ بَلْ وُضِعَتْ عَنَّا الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ قَرْضِ الثَّوْبِ وَمُجَانَبَةِ الْحَائِضِ فِي الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَلَمْ تُحَلَّلْ لَنَا الْخَبَائِثُ كَمَا اسْتَحَلَّهَا النَّصَارَى ؛ الَّذِينَ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يُدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فَلَا يَجْتَنِبُونَ نَجَاسَةً وَلَا يُحَرِّمُونَ خَبِيثًا بَلْ غَايَةُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ طَهِّرْ قَلْبَك وَصَلِّ . وَالْيَهُودِيُّ إنَّمَا يَعْتَنِي بِطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ لَا قَلْبِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }(1) . وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّ اللَّهَ طَهَّرَ قُلُوبَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ مِنْ الْخَبَائِثِ وَأَمَّا الطَّيِّبَاتُ فَأَبَاحَهَا لَهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى "(2).اهـ
فما أحلى هدى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى عبادته و طاعبه لرب العالمين.....


(1)المائدة : 41 (2)مجموع الفتاوى : (4/463)(فَصْلٌ الْمَاءُ الْجَارِي فِي أَرْضِ الْحَمَّامِ)




و ختاماً :
اعلم- رحمك الله – أن الوسطية هى الطريق القويم الى الصراط المستقيم ، و الصراط المستقيم هو الطريق الوحيد الى جنة الرحمن، فمن سلك الوسطية له جنان الرحمن باذن الله المنان....
و لن يسلك سالك فى دين الاسلام على درب هدى النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و أصحابه رضى الله تعالى عنهم ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين الا و يُسئل عن وسطيته و منهجه الذى يسير عليه ، فعليك بأسس و قواعد الوسطية فهى قاعدة البناء ، و اجعل طباعك هى ملامح الوسطيه.فهذا حال المؤمن ، تأمل قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))(1)
فهذا مثال تطبيقى لمعنى الوسطية لا يقوم به الا المؤمن.



تعجل فى اللحاق بقطار الوقت ، فكم من العمر أصبحتَ ؟
كم من الايام قضيتَ ؟
كم من المعاصى فعلتَ ؟
أسرع لتكون من الفائزين .
فمهما طال ظلام الليل .... حتماً سترى الفجر
و مهما طال العـمر .... حتماً ستزور القبر


(1)أخرجه مسلم ح(5318).




وفى النهاية ، لولا أن بساط الوقت قد انسحب سريعاً من تحت أقدامى لأطلت فى هذا البحث حتى أزيد من نفسى القاصرة المقصرة علماً ، و لكن لقلة الهمة و كثرة المعاصى – غفر الله عز و جل للمسلمين جميعاً – التى جانبتنا نور العلم ، جعلتنى أُقلل فى عدد أبواب البحث ، فلعل عملى هذا يتقبله الله تعالى و يجعله فى ميزان حسناتى ، وأن يغفر لى فيما فيه أخطأت.
سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا اله الا أنت أستغفرك و أتوب اليك

وكتبه
وسام بن حلمى بن عباس بن أحمد


المُكنى بــ


معاذ الأمبابى الأثرى
طالب علم
غفر الله تعالى له ولوالديه ولجميع المسلمين 9 شعبان 1427هـ



























0 comments: