Saturday, June 16, 2007

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 12

(حديث الجساسة)
........
قامت العديد من الأبحاث والدراسات الاستشراقية في نظرتها لدين الإسلام ونبي الإسلام على أساس أن عناصر كثيرة في الدين الإسلامي إنما هي في الحقيقة جزء من الواقع الديني والاجتماعي الذي عاشه النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وبعبارة أخرى كان لمجاورة النبي - صلى الله عليه وسلم- لأهل الكتاب ، والاختلاط بهم ، ودخول البعض منهم في الإسلام ، دور كبير في أخذه عنهم الكثير من الأمور ، وإعادة صياغته بشكل أو بآخر ليصبح من مكوّنات الدين الجديد .
والغرض من هذه النظرة الحط من شأن الرسالة الخاتمة ، والتشكيك في سماويتها ، من خلال إظهار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأت بجديد فيما يتعلق بقضايا الغيب والإيمان ، وإنما هي أمور وعبادات وأفكار كانت موجودة أصلاً .
نجد ذلك ظاهراً في الموسوعات الاستشراقية التي وُضِعت للتعريف بالإسلام وعلومه ورجاله ، ومنها الموسوعة المعروفة باسم "دائرة المعارف الاسلامية" والتي شارك في إعدادها نخبة من كبار المستشرقين .
فنجد على سبيل المثال مما له تعلق بموضوع البحث ، ما جاء في مادة " تميم الداري ، حيث يقول المستشرق الإيطالي " ليفي دلافيدا " : " ... وكان تميم نصرانياً كغالب عرب الشام فاستطاع أن يخبر النبي بتفاصيل العبادات التي استعارها من النصارى...... ويقال إنَّ تميماً كان أوّل من روى القصص الديني.....وقد أخبر بها تميم النبي فأخذ بروايته وأذاعها في الناس " أهـ .
وجاء بعض من قل نصيبه من العلم ممن مشى في ركاب المستشرقين ، فتلقوا هذا الكلام على أنه من المسلمات ، وشككوا في أحاديث صحيحة ثابتة مروية في أصح الكتب والمصادر ، بحجة دس أهل الكتاب لها ، وقد بينا في بحث سابق يتعلق بالإسرائيليات والحديث النبوي ، الموقف الشرعي من هذه الأخبار ، وأننا لا ننكر دخول كثير منها في التفسير والحديث ، وهي أخبار وقصص معروفة سبرها أهل العلم وكشفوا عنها ، ولكن أن تتخذ هذه الدعوى ذريعة لرد الأحاديث الثابتة ، ومدخلاً للطعن في دين الإسلام وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن كان لهم القدم الراسخة في العلم والديانة فهذا ما لا يقبل به مسلم .
وأكثر ما أثير من جدل حول تميم ورواياته حديث الجساسة ، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم ، وروته فاطمة بنت قيس رضي الله عنها من فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يحدث الناس عن الدجال ، كما سمعه من تميم الذي كان نصرانياً ثم جاء فأسلم ، وحدث النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- بحديث يوافق ما كان يحدث - صلى الله عليه وسلم- أصحابه عن الدجال وصفته .
وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- جلس على المنبر وهو يضحك فقال : ( ليلزم كل إنسان مصلاه ، ثم قال : أتدرون لم جمعتكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم ، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهراً في البحر ، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس ، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر ، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، قالوا : وما الجساسة ؟ قالت : أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ، قال : لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة ، قال : فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير ، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خَلْقاً ، وأشده وثاقاً ، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا : ويلك ، ما أنت ؟ قال : قد قدرتم على خبري ، فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية ، فصادفنا البحر حين اغتلم ، فلعب بنا الموج شهراً ، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه ، فجلسنا في أقربها ، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقلنا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، قلنا : وما الجساسة ؟ قالت : اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق ، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانة ، فقال : أخبروني عن نخل بيسان ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ، قال : أسألكم عن نخلها هل يثمر ؟ قلنا له : نعم ، قال : أما إنه يوشك أن لا تثمر ، قال : أخبروني عن بحيرة الطبرية ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ، قال : هل فيها ماء ؟ قالوا : هي كثيرة الماء ، قال : أما إن ماءها يوشك أن يذهب ، قال : أخبروني عن عين زغر ، قالوا : عن أي شأنها تستخبر ، قال : هل في العين ماء ، وهل يزرع أهلها بماء العين ، قلنا له : نعم ، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها ، قال : أخبروني عن نبي الأميين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم ، قال : كيف صنع بهم ، فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال لهم : قد كان ذلك ، قلنا : نعم ، قال : أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه ، وإني مخبركم عني ، إني أنا المسيح ، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج ، فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة ، فهما محرمتان علي كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها ، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ، قالت - أي فاطمة - : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطعن بمخصرته في المنبر ، هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة - يعني المدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك ؟ فقال الناس : نعم ، فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ، ألا إنه في بحر الشأم أو بحر اليمن ، لا بل من قبل المشرق ، ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو ، وأومأ بيده إلى المشرق ) ، قالت فحفظت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .
وقد جعل الأئمة والحفاظ رواية النبي - صلى الله عليه وسلم- لهذه القصة من مناقب تميم رضي الله عنه ، ومن رواية الأكابر عن الأصاغر ، كما فعل الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة ( 1/368) ، وفتح الباري ( 12/46) ، والإمام النووي في شرح مسلم ، قال الحافظ في الإصابة : " مشهور في الصحابة كان نصرانيا ، وقدم المدينة فأسلم ، وذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - قصة الجساسة والدجال ، فحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه بذلك على المنبر وعُدَّ ذلك من مناقبة " .
وقال النووي عن الحديث : " هذا معدود في مناقب تميم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- روى عنه هذه القصة ، وفيه رواية الفاضل عن المفضول ، ورواية المتبوع عن تابعه ، وفيه قبول خبر الواحد " .
ومع ذلك فقد طعن فيه " أبو رية " في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " وعقد فصلاً تحت عنوان " المسيحيات في الإسلام " زعم فيه أن حديث الجساسة من مسيحيات الصحابي الجليل تميم الداري الذي أراد أن يلوث الدين الإسلامي بإدخال المسيحيات فيه على حد زعمه ، بل قال : " إذا كانت الإسرائيليات قد لوثت الدين الإسلامي بمفترياتها ، فإن المسيحيات كان لها كذلك نصيب مما أصاب هذا الدين ، وأول من تولى كبر هذه المسيحيات هو تميم بن أوس الداري .... " ثم عرض لأحاديث زعم أنها من المسيحيات ومنها حديث الجساسة ، الذي تهكم به ساخراً ومستهزئا بقوله : " لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها سيدنا تميم الداري " .
ثم استدل على صدق دعواه بكلام نقله عن الشيخ " رشيد رضا " أساء فيه النقل عنه ، وقدم وأخر ، واختصر في القول بما يؤيد دعواه ، مع أنه ليس في كلام الشيخ التصريح بكذب القصة ، ولا بتكذيب تميم رضي الله عنه .
ويمكن تلخيص الشبه المثارة حول الحديث فيما يلي :
أن الحديث بطوله ومشكلاته وغرائبه انفرد مسلم بإخراجه ، وانفردت فاطمة بنت قيس براويته عن النبي - صلى الله عليه وسلم – .
مع أن إخراج مسلم له في الصحيح كافٍ في الحكم عليه بالصحة ووجوب قبوله ، لما علم من مكانة أحاديث الصحيح وتلقي الأمة لها بالقبول ، والحديث رجاله ثقات عدول لا مطعن في واحد منهم ، ومع ذلك فقد رواه غير مسلم الإمام أحمد ، و أبو يعلى ، و أبو داود ، و ابن ماجه ، ورواه غير فاطمة بنت قيس من الصحابة : أبو هريرة ، و عائشة ، و جابر رضوان الله عليهم ، مما يدل على تعدد مخرجه وكثرة طرقه ، فالحديث لم ينفرد به الإمام مسلم ، ولم تنفرد بروايته فاطمة بنت قيس .
قال الحافظ رحمه الله في الفتح ( 13/328 ) : " وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد ، وليس كذلك ..... ثم أخذ في ذكر طرق الحديث ومن رواه من الصحابة " .
ومن الشبه المثارة حول الحديث أن رواية النبي - صلى الله عليه وسلم – له عن تميم لا تلحقه بما حدَّث به من تلقاء نفسه ، ولا تدل على تصديقه للقصة أو إقراره بصحتها .
وعلى فرض التصديق والإقرار ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – لم يكن يعلم الغيب ، وهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق إذا لم تحف به شبهة ، وتصديق الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حكم شرعي ليس من الأمور التي يعصم عنها الأنبياء .
وهذا الادعاء بأن الحديث لا يدخل تحت التقرير غير مسلَّم لأن التقرير كما عرفه أهل العلم من الأصوليين وغيرهم : " أن يسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إنكار قول قيل ، أو فِعْلٍ فُعِلَ بين يديه أو في عصره وعلم به " ، و قد حدَّث النبي - صلى الله عليه وسلم – بهذا الحديث على المنبر ، وفي جمع من الصحابة ، واعتبره موافقاً لما كان يحدثهم به عن المسيح الدجال وغيره من أشراط الساعة الكبرى ، فكيف يقال بأن مثل هذا لا يدخل تحت التقرير ؟! .
قال الحافظ رحمه الله في الفتح (13/323) : " وقد اتفقوا على أن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار ، يدل على الجواز لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار فلا يقر على باطل " أهـ .
وأما الزعم بأنه ليس من أمور الدين التي يعصم الأنبياء عن تصديق الكاذب فيها فهو أشد امتناعاً ، إذ كيف لا نعتبر أخبار أشراط الساعة وقضايا الإيمان باليوم الآخر من أمور الدين ، وهل جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا لبيان ذلك ؟! .
ثم لو كان ما حدث به تميم رضي الله عنه كذباً ، فهل من الممكن أن يسكت الوحي عن بيان الحق فيما أخبر به ، خصوصاًَ وأن الأمر يتعلق بمسألة غيبية ، كما حدث في كثير من الحالات ، حينما كان المنافقون وأضرابهم يقولون خلاف ما يبطنون ، فينزل الوحي فاضحاً لهم ومبيناً كذبهم .
على أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قد أخبر في غير ما حديث ، بالدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان ، حكماً عدلاً بشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ، وعلى يديه يكون قتل الدجال ، وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن المعتمدة ، فإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأشراط لم يكن متوقفاً على إخبار تميم رضي الله عنه ، وإنما انتهز النبي - صلى الله عليه وسلم - فرصة تحديث تميم بهذه القصة ليبين لهم أن ما حدَّثهم به حقٌ وواقع لا شك فيه .
وعلى التسليم بأن هذا الحديث من الإسرائيليات ، فهو من النوع الصحيح المقبول الذي ينبغي تصديقه لموافقته لما جاء في شريعتنا ، يشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ) ، وقد فسر جمع من المفسرين الدابة الواردة في قوله تعالى :{وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون }( النمل 82) بأنها الجساسة التي ورد ذكرها في حديث تميم كما هو مروي عن عبد الله بن عمرو ، وإذا كان الأمر كذلك فيكون في الآية تصديق لهذا الحديث ، لا سيما وأن الآية لا تنفي وجودها قبل يوم القيامة ، فإن المعلق على وقع القول خروج الدابة لا وجودها ، فقد تكون موجودة قبل هذا .
فالخلاصة أن الحديث صحيح ، ومؤيد لأحاديث الدجال وأشراط الساعة ، واتهام تميم رضي الله عنه بالكذب وتلويث الإسلام ، طعن في هذا الصحابي الجليل الذي تشهد له سيرته بالزهد والعبادة والصلاح ، بل هو طعن في النبي - صلى الله عليه وسلم – ورسالته ، وكفى بذلك إثماً وبهتاناً مبيناً .

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 11

(الدفاع عن الصحيحين هو دفاع عن الإسلام 2)
..................
تعرض الإسلام من قديم الزمان لهجوم عنيف من قبل خصومه وأعدائه ، وهؤلاء الأعداء منهم الظاهر الواضح في عدائه ، ومنهم المستتر غير المجاهر ، وبلية الإسلام بهؤلاء أشد وأنكى ، لأنهم يظهرون بمظهر الناصح المشفق ، في الوقت الذي يضمرون فيه الكيد ، ويبطنون له العداء ، وينسجون حوله خيوط الافتراءات والأكاذيب ، متبعين في ذلك وسائل وأساليب خفية لتحقيق ما يرمون إليه من أغراض ومقاصد خبيثة ، فتارة عن طريق التشكيك في السنة ، ومصادرها ، ورجالها بدعوى الانتصار لآل البيت وإظهار الحب والتودد لهم ، وتارة عن طريق اختلاق الروايات ، ووضع الأحاديث ، وتحريف النصوص الشرعية ، بما يتفق مع بدعهم وأهوائهم .
وإذا كنا قد قدَّمنا في الجزء الأول من هذا الموضوع ما يتعلق بالرد على بعض الانتقادات التي وجهت إلى الصحيحين من قديم الزمان ، فسنقف في هذا الجزء مع أبرز الأمور التي اتكأ عليها وأثارها صاحب كتاب " أضواء على الصحيحين " وزعم بأنها أدلة كافية بزعمه توجب ضعف الصحيحين والتشكيك فيهما .
هل مات البخاري قبل أن يبيض صحيحه؟!
فمن الشبه التي استدل بها على ضعف أحاديث البخاري وعدم الاعتماد عليهما ، أن البخاري رحمه الله مات قبل أن يبيض صحيحه ، فكان إتمامه على يد غيره ، مستشهداً بكلام المستملي أحد رواة البخاري - والذي نقله عنه الحافظ بن حجر في ( مقدمة الفتح صـ11) - أنه قال : " انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيه أشياء لم تتم ، وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض .
قال أبو الوليد الباجي : ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير ، مع أنهم انتسخوا من أصل احد ، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث )) .
وهذه الشبهة ليست من كيسه فقد رددها قبله " أبو رية " ، والغرض من هذا الكلام إيهام القارئ أن الإمام البخاري ترك كتابه مسودة ، ومن شأن المسودات أنها لم تنقح ، ومن شأن عدم التنقيح أن يأتي الكتاب على غير ما يرام ، كل ذلك ليخلصوا إلى ما يريدون من التشكيك في منزلة أحاديث الصحيحين .
وليس في كلام المستملي و الباجي ما يشهد لذلك إطلاقاً ، فإن البخاري رحمه الله لم يمت إلا بعد أن نقح كتابه وهذبه غاية التهذيب ، وهذا النقل الذي ذكره الحافظ ، إنما هو في شأن التراجم التي بيضها البخاري أي ذكرها ، ولم يذكر فيها حديثاً ، أو الأحاديث التي ذكرها ولم يذكر لها باباً ، بل إن هذا النقل يدل على أن صحيح البخاري كان مدوناً في أصل محرر .
وهذه المواضع على ثلاثة أنواع كما ذكر ذلك المعلمي رحمه الله في ( الأنوار الكاشفة 257) :
الأول : أن يثبت الترجمة وحديثاً أو أكثر ، ثم يترك بياضاً لحديث كان يفكر في زيادته ، وإنما أخَّر ذلك لسبب ما ، ككونه كان يحب إثباته كما هو في أصله ، ولم يتيسر له الظفر به حينئذ .
الثاني : أن يكون في ذهنه حديث يرى إفراده بترجمة ، فيثبت الترجمة ويؤخر إثبات الحديث على لما سبق .
الثالث : أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضاً للترجمة ، لأنه يُعْنى جداً بالتراجم ، ويضمنها اختياره ، وينبه فيها على معنى خفي في الحديث ، أو حَمْلِه على معنىً خاص أو نحو ذلك ، فإذا كان متردداً ترك بياضاً ليتمه حين يستقر رأيه ، وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل فيما أثبته في كتابه .
وأما التقديم والتأخير فالاستقراء يبين أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم ، يتقدم أحد البابين في نسخة ويتأخر في أخرى ، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة ، وتتأخر عنه في أخرى فيلتحق بالترجمة السابقة ، ولم يقع من ذلك ما يمس سياق الأحاديث بضرر ، ولذا قال الحافظ رحمه الله في المقدمة بعد إيراده للعبارة السابقة : " قلت وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث ، وهي مواضع قليلة جداً " .
وليس أدل على أن البخاري لم يمت إلا بعد أن حرَّر كتابه ، وعرضه على أئمة الحديث مما قاله أبو جعفر محمود بن عمر العقيلي : " لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل و يحي بن معين و علي بن المديني وغيرهم ، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة وروى عنه الفربري قوله : " ما كتبت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين " ، وذلك كي يجتمع له الاطمئنان القلبي مع البحث العلمي .
ومما يدل كذلك على ما بذله البخاري رحمه الله من جهد وتنقيح ، وغربلة للأحاديث حتى جاء كتابه في غاية التحرير قوله : " جمعت كتابي هذا من ستمائة ألف حديث " .
وقد استفاض واشتهر أن البخاري لم يمت إلا بعد أن حدَّث بتلك النسخة طلابه ، وسمع الناس منه من هذه النسخة ، وأخذوا لأنفسهم نسخاً في حياته ، وتسابقوا في كتابة أصله ، مما يثبت أنه كان مطمئناً إلى جميع ما أثبته فيها .
تقطيع البخاري للحديث
ومما ذكره أيضاً كدليل على عدم الوثوق والطمأنينة بما ورد من حديث في صحيح البخاري تقطيعه للحديث واختصاره والتصرف فيه ، حيث اعتبر هذا العمل تدليساً وخيانة في أمانة نقل الرواية كما زعم .
مع أن مسألة تقطيع الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب مما اختلف فيها المتقدمون ، فمنهم من أجاز ذلك إذا كان الحديث مشتملاً على عدة أحكام ، كل حكم منها مستقل غير مرتبط بغيره كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه ، أو كان ما قطع من الحديث لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقاً يفضي إلى فساد المعنى ، ومن أولئك الإمام البخاري رحمه الله ، ومنهم من منعه واختار إيراد الحديث كاملا كما سمعه .
وكما هو معلوم أن الإمام مسلم اختص بجمع طرق الحديث في مكان واحد بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة ، بخلاف البخاري فإنه قطعها في الأبواب بسبب استنباطه منها ، وأورد كثيراً منها في مظانِّه .
والإمام البخاري رحمه الله لم يكن يعجزه أن يسرد الأحاديث والطرق كلها في باب واحد فذاك أمر يسهل عليه ، ولكنه سلك هذا المسلك لجملة من الأغراض الحديثية والفقهية ذكرها أهل العلم ، فهي في الحقيقة مزية للبخاري وليست منقصة ، ولذا قال الحافظ رحمه الله ( مقدمة الفتح 13) : " وإذا امتاز مسلم بهذا فللبخاري في مقابلته من الفضل ما ضمَّنه في أبوابه من التراجم التي حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار "
فالبخاري رحمه الله يذكر الحديث في كتابه في مواضع ، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ، ويستخرج بحسن استنباطه ، وغزارة فقهه معنىً يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه ، وقلَّما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان وأغراض تشهد بإمامته وجلالته ورسوخ قدمه في هذا الفن :
ومن ذلك أنه قد يكون المتن قصيرا أو مرتبطاً بعضه ببعض ، وقد اشتمل على حكمين فصاعداً ، فيعيده بحسب ذلك مراعياً مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية ، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك ، فتستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث .
وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه ، فيورده في موضع موصولاً وفي موضع معلقاً ، ويورده تارة تاماً وتارة مقتصراً على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب .
فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فراراً من التطويل ، وربما نشط فساقه بتمامه .
وأما اقتصاره على بعض المتن وعدم ذكر الباقي في موضع آخر ، فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابي ، وفيه شيء قد يحكم برفعه ، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ، ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه ، كما وقع له في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : " إن أهل الإسلام لا يسيِّبون ، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون " ، هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف ، أوله : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إني أعتقت عبداً لي سائبة فمات وترك مالاً ولم يدع وارثاً ، فقال عبد الله : " إن أهل الإسلام لا يسيبون ، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون ، فأنت ولي نعمته فلك ميراثه ، فإن تأثَّمتَ وتحرجتَ في شيء ، فنحن نقبله منك ، ونجعله في بيت المال " فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف ، وهو قوله : " إن أهل الإسلام لا يسيبون " ، لأن مما ليس للرأي فيه مدخل ، واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه .
فتبين أن البخاري رحمه الله لا يعيد الحديث إلا لفائده ، لكن تارة تكون في المتن ، وتارة في الإسناد وتارة فيهما ، وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه ، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقا ، وإن قلت اختصر المتن أو الإسناد .
البخاري والنقل بالمعنى
وزعم أيضاً أن مما يسلب الاطمئنان والاعتماد على صحيح البخاري ويوجب عدم الوثوق به ، أن قسماً من أحاديثه قد رويت بالمعنى ، ولم ينقلها مؤلف الصحيح بنفس اللفظ حسب ما سمعها من ناقليها ، مستشهداً بما نقله الخطيب في تاريخه والحافظ في مقدمته على الفتح وغيرهم عن البخاري نفسه وهو قوله : " رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ، قيل له : يا أبا عبد الله بكماله ، قال : فسكت ، وقول الحافظ عند الكلام على حديث سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الفتح( 10/227) : " وهذا من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تاماً بإسناد واحد بلفظين " .
فأما الكلام على الرواية بالمعنى وجوازها وضوابطها ، فقد تقدم الكلام عنه في موضوع مستقل بعنوان " رواية الأحاديث بالمعنى هل أدخلت ضرراً على الدين " يمكن للقارئ مراجعته ، ومع أن البخاري رحمه الله كان ممن يرى جواز الرواية بالمعنى ، ولكن ليس في تلك العبارة أي دلالة أبداً على موضوع الرواية بالمعنى ، بل كل ما فيها أنه كان يسمع الشيء ولا يكتبه حتى إذا وجد له مناسبة أو ترجمة لائقة به كتبه ، وسكوته لا يدل على أنه رواه بالمعنى ، وغاية ما يدلٌّ عليه جواز الاختصار في الحديث بذكر بعضه دون بعض كما هو شأنه في كتابه ، يقطع الحديث الواحد في عدة أبواب مقتصراً في كل باب على ما يليق به كما تقدم .
وأما ما نقله عن الحافظ فهو أبعد ما يكون الرواية بالمعنى ، ولم يسقه الحافظ رحمه الله لهذا الغرض ، وإنما ساقه في معرض الكلام عن حديث سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن البخاري رواه مرَّة عن شيخه إبراهيم بن موسى بلفظ الجزم : " حتى إذا كان ذات يوم " من غير شك ، ورواه هنا بالشك ولفظه : " حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة " ، وقد ظن الحافظ أولاً أن الشك من البخاري ، ثم ظهر له أن الشك من شيخ شيخه عيسى بن يونس ، وإليك كلام الحافظ ابن حجر حيث قال بعد أن ذكر الروايتين وتحقيق أن الشك ليس من البخاري : " فيحمل الجزم الماضي على أن إبراهيم بن موسى شيخ البخاري حدَّثه به تارة بالجزم ، وتارة بالشك ، ويؤيده ما سأذكره من الاختلاف عنه ، ثم قال : وهذا من نوادر ما وقع في البخاري أن يخرج الحديث تاماً بإسناد واحد بلفظين " ، وهكذا يتبين لنا الافتراء على البخاري ، وعلى الحافظ ، وخطف الكلام من غير تثبت وتحر .
البخاري ومسلم والإفراط في الطائفية
ومما ذكر على أنه من الأدلة التي تدل على عدم الوثوق بالصحيحين وعدم اعتبار صحة جميع ما ورد فيهما ، ما أسماه بالتطرف الطائفي المفرط ، والتعصب الشديد عند مؤلفيهما ، ومن شواهد ذلك كما يزعمون إخفاء كثير من المناقب والفضائل للإمام علي رضي الله عنه ، والتي ورد ذكرها في كتب السنة الأخرى ، وعدم الاحتجاج بأئمّة أهل البيت ، في مقابل الاحتجاج بمن عرف بعدائه لهم كالخوارج وغيرهم .
ولتجلية هذا الأمر ينبغي أن يُعْلم أن القضية عند صاحبي الصحيح لم تكن قضية طائفية ولا تعصب ، ولا مداراة ومداهنة ، ولكنها قضية شروط اشترطها كل منهم في كتابه ، وفي الرجال الذين يخرج لهم ، ولذلك التزموا بها ، ولم يحيدوا عنها ، بخلاف غيرهم ممن لم يلتزم الصحة كأصحاب السنن والمسانيد ، فربما تساهلوا بعض الشيء ولا سيما في الفضائل ، وهذا هو السرُّ في أن الإمام أحمد رحمه الله خرَّج في فضائل علي أكثر مما خرَّجه البخاري و مسلم في صحيحيهما ، كما أن صاحبا الصحيح لم يلتزما بإخراج كل حديث صحيح ، ولا إخراج أحاديث كل الثقات حتى يُلزَما بذلك .
ومما يدفع هذه الفرية عن الإمامين أنهما أخرجا أحاديث كثيرة في فضائل علي وآل البيت رضي الله عنهم تعتبر من أصح الأحاديث في هذا الباب ، فقد ذكر كل منهما في صحيحه باباً لفضائل عليٍّ ، وبابـًا لفضائل الحسن و الحسين .
وذلك كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - في حصار خيبر : ( لأُعطين الرَّاية غدًا رجلاً يُحبه الله ورسوله ، أو يحب الله ورسوله ) ، ثم بعد ذلك أعطاها لعلي ففتح الله عليه ، ومثل ما رواه البخاري في قصة بنت حمزة ، واختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة فيها ، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : ( أنت منِّي وأنا منك ) ، ومثل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عليٍّ نفسه قال : " والذي فلق الحبةَ وبرأ النَّسمة إنه لعهدُ النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أن لا يحبَّك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق ) ، وله شاهد من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - عند الإمام أحمد .
وحديث عائشة رضي الله عنها قالت : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - غداةً وعليه مُرْطٌ مرَحَّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة ، فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .
كما أخرجا أحاديث كثيرة من رواية أئمة آل البيت كرواية البخاري لحديث ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئا ) ، في قصة صفية رضي الله عنها من طريق علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وحديث علي رضي الله عنه في قصة الشارفين ، في كتاب فرض الخمس قال : " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاني شارفاً من الخمس .... " الحديث ، وهو من طريق علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه رضي الله عنه .
وأخرج له مسلم أيضاً في باب فضائل فاطمة رضي الله عنها ، كما أخرج أحاديث عديدة من طريق جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر ، ومنها حديث جابر في وصف حجة النبي عليه الصلاة والسلام ، ولو كانت المسألة طائفية لما رويا شيئاً من ذلك .
وأما إخراجهم لبعض أهل البدع كعمران بن حطان وغيره ممن عرف برأي الخوارج ، فقد تقدم الكلام عن ذلك في الجزء الأول من هذا الموضوع بما يغني عن إعادته هنا ، والمقصود بيان أن المسألة مبناها عندهم على الصدق والضبط ، وإلا لما أخرجا في الصحيح لجماعة من الرواة ممن رموا بالتشيع ، بعد أن ثبت عندهما صدقهم وضبطهم وتحرزهم عن الكذب كعبد الرزاق بن همام الصنعاني ، و علي بن الجعد ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وإسماعيل بن أبان ، و جرير بن عبد الحميد ، و خالد بن مخلد القطواني وغيرهم كثير ويمكن مراجعة ( مقدمة الفتح 646) .
فتبين أن الأمر لم يكن أمر تعصب وطائفية ، وإنما الأمر أمر شروط الشيخين اشترطاها والتزما بها ، ومن ثم لم يخرجا إلا ما صح عندهما وكان على شرطهما ، بخلاف غيرهما كالإمام أحمد وغيره فإن شروطهم دون ذلك ، وقد روي عنه رحمه الله أنه كان يقول : " نحن إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا " .
عبارات قيلت في الصحيحين
ولما لم تسعفه الحجة العلمية ، والبحث الموضوعي ، ذهب يتصيد هنا وهناك ليبحث عن عبارات وأقوال ، تسقط مكانة الصحيحين في الأمة ، فخرج لنا بطائفة من الأقوال المحرفة المبتورة ، التي أساء فهمها وحرفها عن مواضعها عن تعمد وسوء قصد .
فزعم أنه في مقابل الإفراط إلى حد التعسف والغلو في الثناء على الصحيحين وحفظ مقامهما وشأنهما ، إلا أن هناك طائفة من علماء أهل السنة أنفسهم نظروا إلى الصحيحين نظرة الباحث الناقد ، وصدرت منهم عبارات تشكك من هذه القداسة والهالة التي نسجت حولهما .
بين البخاري والذهلي
ومن ذلك كلام الإمام الذهلي على البخاري وما جرى بينهما في مسألة اللفظ في القصة المعروفة المشهورة في كتب السير والتراجم ، ولسنا في صدد مناقشة وتفصيل ما جرى بين الإمامين ، بل بيان موقف أهل العلم من العبارة التي صدرت من الإمام الذهلي وغيره من العلماء ، وكيف تعاملوا معها .
فمن المعلوم أن البخاري رحمه الله عندما قدم نيسابور كان الذهلي نفسه يحث تلاميذه وطلابه على حضور مجلسه ، فلما أقبل الناس على الإمام وذاع صيته ، دخل في نفسه ما لا يسلم منه بشر ، فقال عبارته تلك ، قال الحاكم أبو عبد الله سمعت محمد بن حامد البزاز قال سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول : سمعت محمد بن يحيى قال لنا لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور : " اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح ، فاسمعوا منه فذهب الناس إليه ، وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى فحسده بعد ذلك وتكلم فيه " .
وقال أبو أحمد بن عدي ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه ، فحسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه ، واجتماعهم عليه ، فقال لأصحاب الحديث : " إن محمد بن إسماعيل يقول : ( اللفظ بالقرآن مخلوق ) ، فامتحِنوه في المجلس ، فلما حضر الناس مجلس البخاري ، قام إليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ، فقال الرجل : يا أبا عبد الله ، فأعاد عليه القول ، فأعرض عنه ، ثم قال في الثالثة : فالتفت إليه البخاري وقال : " القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأفعال العباد مخلوقة ، والامتحان بدعة ، فشغب الرجل ، وشغب الناس ، وتفرقوا عنه وقعد البخاري في منزله .
وقد أنكر البخاري رحمه الله نسبة هذا القول إليه ، وقال - كما نقل عنه محمد بن نصر المروزي - : " من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أقله ، إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة " ، فنقلها عنه بعض الحساد والمغرضين ، وأشاعوا عنه أنه يقول باللفظ ، وحملوا عبارته ما لا يحتمل .
ولذا لم يلتفت العلماء وأئمة الجرح والتعديل إلى ذلك بل عدوه من كلام الأقران بعضهم في بعض ، وأصلوا قاعدتهم المعروفة وهي أن " كلام الأقران يطوى ولا يروى " ، ولذا قال الذهبي رحمه الله في ( السير 12/456 ) بعد أن ذكر أن بعضهم ترك حديث البخاري لما بلغه أنه يقول باللفظ : " قلت إن تركا حديثه أو لم يتركاه البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم " .
وقد تكلم كثير من العلماء الثقات في بعض ، ولم يكن ذلك موجباً لإسقاط ثقتهم وعدالتهم فتلكم أبن أبي ذئب في الإمام مالك ، وتكلم سلمة بن دينار في الزهري ، وتكلم عمرو بن علي الفلاس في علي بن المديني والعكس ، وتكلم أحمد بن أبي الحواري في هشام بن عمار ، وتكلم أبو نعيم في أبي عبد الله بن مندة ، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة ، ولم يسقطوا عدالتهم إلا ببرهان ثابت وجرح مفسر يتابعه غيره عليه ، قال الحافظ رحمه الله في ( لسان الميزان 1/201 ) : " قلت كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصم الله ، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين ، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس ، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم " .
موقف أبي زرعة من الصحيحين
واستدل أيضاً بعبارة لأبي زرعة ينتقد فيها لصاحبي الصحيح لإخراجهم لبعض الرواة كأحمد بن عيسى المصري ، والتي نقلها عنه الخطيب في تاريخه ، و الذهبي في ميزان الاعتدال ، وأنه اعتبرهم متظاهرين بالحديث ، أرادوا التصدر وصرف وجوه الناس إليهم .
فقد نقل الخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 4/227) عن سعيد بن عمرو ، قال شهدت أبا زرعة يعنى الرازي ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج ، ثم الصائغ على مثاله - يعني البخاري فقال لي أبو زرعة : " هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه ، فعملوا شيئا يتشوفون به ، ألفوا كتاباً لم يسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها " ، وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم ، فجعل ينظر فيه ، فإذا حديث عن أسباط بن نصر ، فقال أبو زرعة ، ما أبعد هذا من الصحيح ، يدخل في كتابه أسباط بن نصر ، ثم رأى في كتابه قطن بن نسير ، فقال لي : وهذا أطم من الأول " .
والجواب أن يقال : إن هذا الجرح من أبي زرعة مفسر ، فسره هو بنفسه ، وبين سبب إيراده ، وهو إخراجه لبعض هؤلاء الرواة المنتقدين الذين ذكر بعضهم ، وقد ذكر مسلم تبرير ذلك والرد عليه بعد هذا الكلام ، ولهذا لم ينقله المحرف لأنه لا يتفق مع هواه وما أراد .
وهو أحد الوجوه التي ذكرها الإمام ابن الصلاح في كتابه " صيانة صحيح مسلم (1/96) ، ونقلها عنه النووي في شرحه ( 1/24) والتي وجَّه فيها إخراج الإمام مسلم لبعض الضعاف أو المتوسطين .
وهو أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل ، فيقتصر على العالي ، ولا يطول بإضافة النازل إليه ، مكتفياً بمعرفه أهل الشأن في ذلك ، وهذا العذر قد روي عن مسلم تنصيصاً ، حيث قال عندما ذكر له إنكار أبي زرعة : " إنما أدخلت من حديث أسباط و قطن و أحمد ، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات " .
ولا أدل من أن الصواب كان مع الإمام مسلم أن الخطيب نفسه ، الذي نقل هذه العبارة : " وثَّق أحمد بن عيسى ، ولم يلتفت إلى قول من تكلم فيه ، فكان مع الإمام مسلم ، فلماذا لم يورد الكاتب كلام الخطيب الذي يقول فيه بعد ذلك : " قلت : " وما رأيت لمن تكلم في أحمد بن عيسى حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه " ، وعبارة الذهبي في الميزان بعد إيراده لكلام أبي زرعة نفسه : " قلت احتج به أرباب الصحاح ، ولم أر له حديثا منكرا فأورده " .
والثابت عن مسلم رحمه الله قوله : " عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكلّ ما أشار أنّ له علّة تركته ، وكلّ ما قال أنّه صحيح وليس له علّة أخرجته " .
بين البخاري وابن المديني
ثم نقل عبارة أوردها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ليرد عليها ، ويبين بطلانها ، مستدلاً بها على خيانة البخاري ، وعدم أمانته العلمية ، وسرقته لجهود الآخرين ، ورغبته في التصدر والشهرة على حساب غيره ، وحتى يعطوا العبارة قيمة علمية نسبوها إلى الحافظ في ( تهذيب التهذيب 9/46) وتم بتر الرد ، وتعقيب الحافظ عليها ، وإغفال الكلام الذي قبله في ثناء العلماء والمحدثين على الإمام البخاري ، والدفاع عنه ، وبطلان ما نسب إليه .
والعبارة هي قول مسلمة : وألّف علي بن المديني كتاب العلل ، وكان ضنياً به فغاب يوماً في بعض ضياعه ، فجاء البخاري إلى بعض بنية ورغبه بالمال ، على أن يرى الكتاب يوماً واحداً ، فأعطاه له فدفعه إلى النساخ فكتبوه له ، ورده إليه ، فلما حضر علي تكلم بشيء ، فأجابه البخاري بنص كلامه مراراً ، ففهم القضية ، واغتنم لذلك ، فلم يزل مغموماً حتى مات بعد يسير ، واستغني البخاري عنه بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان ، ووضع كتابه الصحيح فعظم شأنه وعلا ذكره " .
قال الحافظ رحمه الله بعد أن أورد هذا لكلام : " قلت إنما أوردت كلام مسلمة هذا لأبين فساده ... وأما القصة التي حكاها فيما يتعلق بالعلل لابن المديني ، فإنها غنية عن الردِّ لظهور فسادها ، وحسبك أنها بلا إسناد ، وأن البخاري لما مات علي كان مقيماً ببلاده ، وأن العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري ، فلو كان ضنيناً بها لم يخرجها ، إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الأخلوقة والله الموفق .
فانظر أخي القارئ إلى هذا التلبيس والتحريف المتعمد ، وبتر الكلام لتشويه صورة هذا الإمام الجليل .
النووي وصحيح مسلم
ومما ادعاه أيضاً أن الإمام النووي نفسه شكك في موارد مختلفة في صحة بعض الأحاديث التي خرجها مسلم ، بل وصرح ببطلان البعض الآخر ، مستدلاً بعبارته في شرحه لمقدمة مسلم على الصحيح : " وأما قول مسلم رحمه الله في صحيحه في باب صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وآله - : " ليس كل شيء صحيح عندي وضعته هنا ـ يعني في كتابه هذا الصحيح ـ وإنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه " فمشكل ، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفاً في صحتها ، لكونها من حديث من ذكرناه ، ومن لم نذكره ، ممن اختلفوا في صحة حديثه " ( شرح النووي 1/16) .
وعبارته في شرحه لحديث أبي سلمة في " باب بدء الوحي " ، الذي يتضمن أن أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي سورة المدثر ، حيث ادعى أن النووي صرح بأن هذا الحديث ضعيف ، بل باطل ، لأن أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي " اقرأ باسم ربك " .
مع أن هذا الاستشكال في الموضع الأول إنما هو في توجيه عبارة الإمام مسلم ، مع ما علم من وجود بعض الأحاديث والرجال المنتقدين - كما سبق - ، وليس فيه أبداً ما يدل على تشكيك النووي رحمه الله في أحاديث الصحيح ، أو اتخاذ موقف منها كما أراد هذا الملبس أن يصوره .
والإمام النووي رحمه الله لم يكتف بإيراد الإشكال فحسب ، بل أعقبه بما يرده ، فذكر توجيه الأئمة لعبارة الإمام مسلم ، والتي حذفها المغرض لأنها لا تخدمه كما فعل مع سابقاتها حيث ذكر بعد الكلام السابق توجيه الإمام ابن الصلاح في كتابه " صيانة صحيح مسلم " فقال : " قال الشيخ - يعني ابن الصلاح وجوابه من وجهين :
أحدهما : أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه ، وإن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم .
والثاني : أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متناً أو إسنادا ، وليس ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته ، كما هو ظاهر كلامه ، فإنه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة ( فإذا قرأ فأنصتوا ) هل هو صحيح ؟ فقال : " هو عندي صحيح ، فقيل لم لم تضعه ها هنا ؟ ، فأجاب بالكلام المذكور .
وفي موضع آخر عند الكلام على الحديث في باب صفة الصلاة ساق عبارة مسلم وأجاب عنها بقوله : " ثم قد ينكر هذا الكلام ، ويقال : قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع عليها ، وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه ، ولا يلزم تقليد غيره في ذلك ، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه " .
وأما ادعاؤه بأن النووي حكم بالبطلان على حديث جابر في صحيح مسلم لأن فيه التصريح بأن أول سورة أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا أيها المدثر " فهو من التلبيس وتحريف الكلام الذي عودنا عليه ، وعبارة النووي في الشرح هي كالتالي : " قوله (( أن أول ما أنزل قوله تعالى : يا أيها المدثر )) ضعيف بل باطل ، والصواب أن أول ما أنزل على الاطلاق : اقرأ باسم ربك " .
فالحكم بالضعف أو البطلان إنما وقع على القول بأن أول ما أنزل من القرآن مطلقاً " يا أيها المدثر " ، وليس على رواية جابر ، فالحديث ليس فيه أبداً ما يدل على أن أول ما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا أيها المدثر " حتى يحكم بضعفه أو بطلانه ، ولو رجع إلى كلام النووي نفسه في شرح حديث عائشة لتبين له ذلك حيث قال : " وهذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن " اقرأ " ، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف ، وقيل أوله : " يا أيها المدثر " وليس بشيء ، وسنذكره بعد هذا في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى .
فالكلام إنما هو على القول لا على الحديث ، فإن كان أبو سلمة رواي الحديث عن جابر ، أو حتى جابر نفسه ممن يرى هذا القول ، فهو قول ضعيف وليس في الروايات أبداً ما يشهد له ، مع أنه قد ثبت عن جابر رضي الله عنه في حديث قبله من رواية الزهري عن أبي سلمة التصريح ، بأنه أول نزول بعد فترة الوحي وأنها أولية نسبية ، فلا منافاة إذاً ، فأين تشكيك النووي رحمه الله في أحاديث الصحيح ؟!
الذهبي وصحيح البخاري
ومما نسبوه إلى الإمام الذهبي أنه قال في بعض أحاديث الصحيح : " ولولا هيبة الصحيح لقلت إنها موضوعة! " ، وهو كذب مفضوح على هذا الإمام .
فإن عبارته كما في ميزان الاعتدال في ترجمة خالد بن مخلد القطواني عندما ذكر أن البخاري رحمه روى له حديث الولي ( من عادى لي ولياً ) قال : " فهذا حديث غريب جداً ، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن خالد ، وذلك لغرابة لفظه ، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ ، ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد ولا خرجه من عدا البخاري " .
وغاية ما فيها استغرابه للحديث لأنه من طريق خالد بن مخلد وشيخه شريك مع ما علم من الكلام حولهما ، فيقال إن غاية ما في ذلك أنه صحيح عند البخاري ، فيكون من الأحاديث المنتقدة على صاحب الصحيح ، وليس مما وقع الإجماع على تلقيه بالقبول ، ونحن لا ننكر أن في الصحيح شيئاً من هذا ، وقد سبق بحث هذه النقطة وما حولها من إشكال .
و الحافظ رحمه الله بين في الفتح (11/341) أن للحديث طرقاً أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً حيث قال وهو يرد على الذهبي إطلاقه أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد : " وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود .... ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً ثم ذكر بعض الطرق عن عائشة و أبي أمامة و علي و ابن عباس و معاذ بن جبل و أنس .
كما أن المتأمل في عبارة الذهبي يجد فيها مزيد تدعيم لمكانة الصحيح وليس كما أراد المغرضون ، فإن الذي جعلهم يترددون في عدِّ هذا الحديث من منكرات خالد ( هيبة الصحيح ) ، بمعنى أن هذا الحديث لو كان في غير الصحيح لعدَّ من منكرات خالد بن مخلد ، لما عرف من حاله ، ولكن الذي منعهم من ذلك إخراج صاحب الصحيح له ، لما علم من علمه وإمامته وشروطه ، وانتقائه للأحاديث ، وغير ذلك من الأغراض التي ذكرت في الرجال المنتقدين ، فهو مزيد توثيق وتدعيم لموقف صاحب الصحيح ، وليس فيه أبداً أي غض من مكانته كما أراد المشككون ، فأين حكم الذهبي على الحديث بالوضع ؟! .
أما بالنسبة لغرابة ألفاظه فهو كغيره من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تحتاج إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم ، ويمكن مراجعة كلام الحافظ وغيره في شرح الحديث ، ولو فتح هذا الباب لردت جملة من الأحاديث الثابتة .
وأخيراً وبعد هذا التطواف ، أظن أن القارئ الكريم قد عرف مكانة هذين الكتابين ، ومنزلتهما في العلم والدين ، وأن شبهات المغرضين حولهما هي مجرد فقاعات وأوهام لا تثبت أمام التحقيق العلمي ، وليس أي سند شرعي ، ولا يزال الله عز وجل يقيض للسنن والأحاديث في كل عصر من ينفي عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، تحقيقاً لوعد الله في حفظ دينه وكتابه وسنة نبيه .
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل .
_____________
المراجع :- هدي الساري ابن حجر العسقلاني .- صيانة صحيح مسلم أبو عمر ابن الصلاح .- فتح الباري ابن حجر العسقلاني .- شرح النووي على صحيح مسلم .- تدريب الراوي السيوطي .- تاريخ بغداد الخطيب البغدادي .- ميزان الاعتدال الذهبي .- سير أعلام النبلاء الذهبي .- تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني .- لسان الميزان ابن حجر العسقلاني .- الأنوار الكاشفة المعلمي .- دفاع عن السنة أبو شهبة .- موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين .

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 10

(الدفاع عن الصحيحين هو دفاع عن الإسلام)
...................
لا يزال مسلسل الكيد للسنة ورجالها مستمراً ، في مخطط يستهدف دين الإسلام واجتثاث أصوله ، وتقويض بنيانه ، فقد رأينا في مواضيع سابقة جزءاً من الحملات التي تعرضت لها السنة ورجالها بدءاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتشكيك في عدالتهم وديانتهم ، والطعن فيمن عرف بكثرة الرواية منهم ، ومروراً بكبار أئمة التابعين الذين كان لهم دور مشهود في تدوين الحديث ونشر السنة كالإمام الزهري وغيره .
وما أن فرغ خصوم السنة من ذلك حتى بدؤوا جولة جديدة ، كان الهدف فيها هذه المرة أعظم أصول الإسلام بعد القرآن ، فصوبوا سهامهم نحو الصحيحين ومؤلفيهما ، واتخذوهما غرضاً لحملاتهم وشبهاتهم ، لأن في النيل منهما نيلاً من الإسلام ، ولأن إسقاط الثقة بهما هو في الحقيقة إسقاط للثقة بجملة كبيرة من أحكام الشريعة التي إنما ثبتت بتصحيح هذين الإمامين الجليلين وتلقي الأمة لها بالقبول ، فإذا نجحوا في العصف بهما ، فقد أصابوا الإسلام في مقتل يصعب بعده استمرار الحياة ، ولذلك جعلوا من أهم أهدافهم وأولى أولياتهم إسقاط الثقة بأحاديث الصحيحين ورواتهما بشتى الوسائل ، لتنهار بعد ذلك صروح السنة في غيرهما من الكتب والمصنفات الأخرى ، وقد صرح بذلك بعضهم قائلاً : " ونخصّ الصحيحين بالبحث ، لأنّه إذا سقط ما قيل في حقّهما سقط ما قيل في حق غيرهما بالأولوية " .
وسنعرض لأهم ما أثير حول الصحيحين من شبهات ، وليس المقصود استيفاء كل الشبه الواردة وتفنيدها فهو أمر يحتاج إلى دراسة خاصة لا يتسع لها المقام ، ولكن حسبنا أن نشير إلى أهم الأمور البارزة التي ركز عليها هؤلاء ، سواء ممن ينتسب إلى الإسلام ويحسب على السنة أو ممن ينتسب إلى الفرق الضالة التي لها موقف معروف أصلاً من أحاديث الصحيحين لأنها لا تتفق مع أهوائهم وانحرافاتهم .
فقد ذكروا جملة من الشبه توهن من قوة الصحيحين بزعمهم ، وتثير الريبة في أحاديثهما ، وتحطم الهالة التي نسجت حولهما - كما يقولون - .
انتقاد أحاديث ورجال الصحيحين
ومن ذلك أن الصحيحين قد تعرضا للنقد من قبل الأئمة وأن فيهما أحاديث لا تصح وبعضها أمارة الوضع بادية عليه ، أضف إلى ذلك التناقض والتعارض بين بعض أحاديث الصحيحين مما يصعب معه الجمع بينها ، إضافة إلى أن ثمة عدد هائل من رجالهما قد تكلم فيهم بتضعيف أو تجريح ، كما أنهما قد أخرجا أحاديث أناس من أهل البدع لم يسلموا من طعن في عقيدتهم .
يقول " محمود أبو رية " : " إنهم - أي العلماء - أعلوا أحاديث كثيرة مما رواه البخاري و مسلم ، وكذلك نجد في شرح ابن حجر للبخاري و النووي لمسلم استشكالات كثيرة ، وألف عليهما مستخرجات متعددة ، فإذا كان البخاري و مسلم - وهما الصحيحان - كما يسمونها - يحملان كل هذه العلل والانتقادات وقيل فيهما هذا الكلام - دع ما وراء ذلك من تسرب الإسرائيليات إليهما ، وخطأ النقل بالمعنى ، وغير ذلك في روايتهما - فترى ماذا يكون الأمر في غير البخاري و مسلم من كتب الأحاديث " ( أضواء على السنة المحمدية 273- 285) .
ويقول " محمد رشيد رضا " بعد أن عرض الأحاديث المنتقدة على البخاري : " وإذا قرأت ما قاله الحافظ ابن حجر - فيها رأيتها كلها في فن الصناعة ، ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه " فتح الباري " ، رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها ، أو تعارضها مع غيرها - أكثر مما صرح به الحافظ نفسه - مع محاولة - من الحافظ - الجمع بين المختلفات ، وحل المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض " .
وقال : " ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة ، بالمعنى الذي عرفوا به الموضوع في علم الرواية ممنوعة ، لا يسهل على أحد إثباتها ، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدّوه من علامة الوضع ..... وإنّ في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه ....
فإذا تأمّلتم هذا وذاك علمتم أنّه ليس من أصول الدين ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكلّ حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه ، بل لم يشترط أحد في صحّة الإسلام ولا في معرفته التفصيلية ، الاطّلاع على صحيح البخاري والإقرار بكلّ ما فيه - وعلمتم أيضاً أنّ المسلم لا يمكن أن ينكر حديثاً من هذه الأحاديث بعد العلم به إلاّ بدليل يقوم عنده على عدم صحّته متناً أو سنداً ، فالعلماء الّذين أنكروا صحّة بعض هذه الأحاديث لم ينكروها إلاّ بأدلّة قامت عندهم ، قد يكون بعضها صواباً وبعضها خطأً ، ولا يعدُّ أحدهم طاعناً في دين الإسلام " ( تفسير المنار 10/580) .
وأما " أحمد أمين " فيقول : " إن بعض الرجال الذين روى لهم البخاري غير ثقات ، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو ثمانين ، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل - لأن بعض من ضعف من الرواة لا شك أنه كذاب ، فلا يمكن الاعتماد على قوله ، والبعض الآخر منهم مجهول الحال ، ومن هذا حاله فيشكل الأخذ عنه . . . ومن هؤلاء الأشخاص الذين روى عنهم البخاري وهم غير معلومي الحال عكرمة مولى ابن عباس ويذكر " أحمد أمين "شواهد تاريخية لإثبات كون عكرمة كذاباً ثم يقول : فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو يروي له في صحيحه كثيرا . . . . و مسلم ترجح عنده كذبه ، فلم يرو له إلا حديثاً واحداً في الحج ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث آخر " ( ضحى الإسلام 2/117 ) .
وقبل الشروع في مناقشة هذه المزاعم ينبغي أن يعلم بادئ ذي بدء أن الأمة قد أجمعت على تلقي هذين الكتابين بالقبول علماً وعملاً ، وقد نقل الاتفاق وإجماع الأمة على ذلك جماعة من أهل العلم منهم الإمام أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث ، والإمام النووي وغيرهم ، يقول النووي رحمه الله : " اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري و مسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول ، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة " ( شرح مسلم 1/14) ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخارى و مسلم بعد القرآن " (الفتاوى 18/74) ، ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : " وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم ، وهما اللذان لا مطعن في صحة حديث من أحاديثهما عند العارفين من أهل العلم " ( مشكلات الأحاديث 158) ، ومن هنا فإن كل من هون من أمرهما ، وغض من شأنهما فقد خالف سبيل المؤمنين ، وسلك سبيل أهل البدع والأهواء .
ونحن لا ننكر أن بعض أحاديث الصحيحين كانت محل انتقاد من قبل بعض المحدثين والحفاظ كالدارقطني وغيره ، ولكن ما هي طبيعة هذا الانتقاد ؟ ، وهل يصح أن يجعل من هذا الانتقاد ذريعة للطعن في أحاديثهما جملة ، وإهدار قيمتهما العلمية والشرعية كما أراد المغرضون ؟! .
لقد تعرض العلماء منذ أمد بعيد لهذه الانتقادات وأماطوا اللثام عنها ، وبينوا أنها لا تقدح أبداً في أصل موضوع الكتاب ، فهذا النقد لم يكن من قبل الطعن فيها بالضعف وعدم الصحة ، وإنما كان من قبل أنها لم تبلغ الدرجة العليا التي اشترطها صاحبا الصحيح والتزمها كل واحد منهم في كتابه ، كما يقول الإمام : النووي رحمه الله : " قد استدرك جماعة على البخارى و مسلم أحاديث أخلاَّ بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه " أهـ ( شرح مسلم 1/27) .
وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيه ، ومردُّ ذلك إلى اختلاف وجهات النظر في التوثيق والتجريح شأنها شأن المسائل الاجتهادية الأخرى ، وليس بالضرورة أن يكون الصواب فيها مع الناقد بل قد يكون الصواب فيها مع صاحب الصحيح ، يظهر ذلك من خلال سبر الأحاديث المتكلم فيها ، ونقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة العلم.
والعلماء الذين نقلوا إجماع الأمة على تلقي الكتابين بالقبول استثنوا هذه الأحاديث المنتقدة لأن هذه المواضع مما حصل التنازع فيه ، ولذا لم يحصل لها من التلقي والقبول ما حصل لبقية الكتاب قال الإمام ابن الصلاح في مقدمته : " وأجمعت الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول سوى أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره " . وقال في مقدمة شرح مسلم له - كما نقله عنه الحافظ ابن حجر - :" ما أخذ عليهما يعني على البخاري و مسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول " ( هدي الساري 505) .
فجَعْلُ انتقاد بعض الأحاديث في الصحيحين - لكونهما أخلا بشرطهما فيها في نظر الناقد مع كونها صحيحة ، وقد يكون الصواب معهما - مبرراً كافياً للتشكيك فيهما ، ورد أحاديثهما جملة ليس مسلك المنصفين ، وإنما مبناه الهوى والتعصب .
وقد كفانا أئمة الإسلام وحفاظ الأمة الذين اشتغلوا بالصحيحين ، وأفنوا فيهما أعمارهم بحثاً وشرحاً وتدريساً وتتبعاً وسبراً لأحاديثهما - مؤونة الرد على هذه الشبهة ودحضها .
فقد ذكر الإمام الحافظ ابن حجر - في مقدمة الفتح - أن عدد ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة مائتا حديث وعشرة ، اشتركا في اثنين وثلاثين حديثاً ، واختص البخاري بثمانية وسبعين و مسلم بمائة ، وهذه الأحاديث المنتقدة إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية ، كالمعلقات والمتابعات والشواهد ، أجيب عن الاعتراض عليهما بأنها ليست من موضوع الكتابين ، فإن موضوعهما المسند المتصل ، ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر ، لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين ، وإنما ذكرت استئناساً واستشهاداً ، وإن كانت من الأحاديث المسندة ، فإما أن يكون النقد مبنياً على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين خالفهم فيها غيرهم فلا يقبل لضعف مبناه ، وإما أن يكون مبنياً على قواعد قوية فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما أو تصحيح أحدهما مع كلام المعترض ، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما من أئمة هذا الفن ، فإنهم لا يختلفون أن ابن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث ، وعنه أخذ البخاري ذلك ، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول : " ما رأى مثل نفسه " ، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري ، وقد استفاد ذلك منه الشيخان جميعاً ، وقال مسلم : عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي فما أشار أن له علة تركته ، فإذا عرف ذلك تبين أنهما لا يخرّجان من الحديث إلا ما لا علة له ، أو له علة غير مؤثرة عندهما ، وهذا هو الجواب الإجمالي .
وأما الجواب التفصيلي فقد قسَّم الحافظ الأحاديث المنتقدة إلى ستة أقسام ، تكلم عليها ثم أجاب عنها حديثاً حديثاً :
القسم الأول : ما يختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإِسناد ، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة ، وعلله الناقد بالطريق الناقصة ، فهو تعليل مردود ، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر ، لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه ، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع ، والمنقطع ضعيف والضعيف لا يعل الصحيح، ومن أمثلة ذلك : ما أخرجاه من طريق الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس في قصة القبرين ، قال الدارقطني في انتقاده : قد خالف منصور ، فقال عن مجاهد عن ابن عباس ، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس ، قال وحديث الأعمش أصح ، وهذا في التحقيق ليس بعلة ، فإن مجاهداًً لم يوصف بالتدليس ، وقد صح سماعه من ابن عباس ،و منصور عندهم أتقن من الأعمش ، و الأعمش أيضاً مِن الحفاظ ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة ، والإِسناد كيفما دار كان متصلاً ، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا .
وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة ، وعلله الناقد بالمزيدة ، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف ، فيُنْظر : إن كان الراوي صحابياً أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكاً بيناً ، أو صرح بالسماع إن كان مدلساً من طريق أخرى ، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك ، وإن لم يوجد وكان الانقطاع ظاهراً ، فمحصل الجواب أنه إنما أخرج مثل ذلك حيث له سائغ وعاضد ، وحفته قرينة في الجملة تقويه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع ، مثاله : ما رواه البخاري من حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة ، أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال لها : ( إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ) الحديث ، قال الدارقطني : هذا منقطع ، وقد وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة ، ووصله مالك في الموطأ عن أبي الأسود عن عروة كذلك ، قال الحافظ : حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان ، وقد وقع في رواية الأصيلي عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصلاًً ، وعليها اعتمد المزّي في الأطراف ، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب ، قال أبو علي الجياني : وهو الصحيح ، وكذا أخرجه الإِسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان ، و محاضر و حسان بن إبراهيم ، كلهم عن هشام وهو المحفوظ من حديثه .
وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب ، ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها ، حاكياً للخلاف فيه على عروة كعادته ، مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بالمستبعد .
وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع ، لكونها مروية بالمكاتبة والإِجازة ، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ ذلك ، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحته عنده .
القسم الثاني : ما يختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإِسناد ، والجواب عنه : أنه إن أمكن الجمع ، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما ، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد ، أو متفاوتين ، فيخرج الطريقة الراجحة ، ويعرض عن المرجوحة ، أو يشير إليها .
فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الاختلاف غير قادح ، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف .
القسم الثالث : ما تفرد فيه بعض الرواة بزيادة لم يذكرها أكثر منه ، أو أضبط ، وهذا لا يؤثر التعليل به ، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، وإلا فهي كالحديث المستقل .
القسم الرابع : ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف ، وليس في الصحيح من هذا القبيل غير حديثين تبين أن كلاً منهما قد توبع :
أحدهما : حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه : " أن عمر استعمل مولى له يدعي هنياً على الحمى " الحديثَ بطوله ، قال الدارقطني : إسماعيل ضعيف ، قال الحافظ : ولم ينفرد به ، بل تابعه معن بن عيسى عن مالك ، ثم إن إسماعيل ضعفه النسائي وغيره ، وقال أحمد و ابن معين في رواية : لا بأس به ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وإن كان مغفلاً ، وقد صح أن أخرج البخاري أصوله ، وأذن له أن ينتقي منها ، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه ، لأنه كتب من أصوله ، وأخرج له مسلم أقل مما أخرج له البخاري .
ثانيهما : حديث أبيّ بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده ، قال : " كان للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - فرس يقال له اللحيف " ، قال الدارقطني : " أبيّ ضعيف " ، قال الحافظ ابن حجر : تابعه عليه أخوه عبد المهيمن .
القسم الخامس : ما حكم فيه على بعض الرواة بالوهم ، فمنه ما لا يؤثر قدحاً ، ومنه ما يؤثر .
السادس : ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن ، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح ، لإِمكان الجمع أو الترجيح .
ثم أخذ يجيب عن الأحاديث المنتقدة حديثاً حديثاً بما يرد عنها كل انتقاد ، ويبين أن الصواب فيها مع المصنف لا مع المنتقد ، ثم قال رحمه الله : " هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد ، المطلعون على خفايا الطرق ، وليست كلها قادحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر ، والقدح فيه مندفع ، وبعضها الجواب عنه محتمل ، واليسير منه في الجواب عنه تعسف ، كما شرحته مجملاً في أول الفصل ، وأوضحته مبيناً أثر كل حديث منها ، فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه ، وجل تصنيفه في عينه ، وعذر أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم ، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم ، وليس سواء من يدفع بالصدر فلا يأمن دعوى العصبية ، ومن يدفع بيد الإنصاف على القواعد المرضية ، والضوابط المرعية .
وأما الإرجاف والتهويل بأن الحفاظ قد ضعفوا من رجال البخاري نحواً ثمانين " ، وبعضهم كذاب وبعضهم مجهول الحال ، والتمثيل لذلك بعكرمة مولى ابن عباس .
فلربما استهول القارئ غير المطلع هذا الكلام ، مع أنه لو تدبر حال أولئك الثمانين واستقرأ ما أخرجه البخاري لهم لاتضح له أن الأمر أهون مما أراد أن يصوره هؤلاء .
فقد بين الحافظ في ( مقدمة الفتح 548) أنه من الأمور المعلومة عند أئمة هذا الشأن أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو يقتضي عدالته عنده ، وصحة ضبطه وعدم غفلته ، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين ، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما ، هذا إذا خرج له في الأصول ، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق ، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره ، مع حصول اسم الصدق لهم ، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعناً ، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام ، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسراً بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي ، وفي ضبطه مطلقاً ، أو في ضبطه لخبر بعينه ، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح ، وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة ، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه " ، فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح لأن أسباب الجرح مختلفة .
ثم بين أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء : البدعة ، أو المخالفة ، أو الغلط ، أو جهالة الحال ، أو دعوى الانقطاع في السند ، بأن يدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل .
فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح ، لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة ، فمن زعم أن أحداً منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف ، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته ، لما مع المثبت من زيادة العلم ، ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحداً ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا .
وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له : إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمَد أصلُ الحديث لا خصوص هذه الطريق ، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله ، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء ، وأما إن وصف بقلة الغلط كما يقال " سيئ الحفظ " أو " له أوهام " أو " له مناكير " وغير ذلك من العبارات فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك .
وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط والصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً بخلاف ما روى ، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ، فهذا شاذ ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكراً ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير ، وقد تعرض الحافظ لكل هذه الأحاديث عند الكلام على الأحاديث المنتقدة ، وانتصر فيها لصاحب الصحيح وبين أن الصواب معه وليس مع المنتقد .
وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من اشتراطه اللقاء مع المعاصرة وربما أخرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب أصلاً ليبين سماع راوٍ من شيخه لكونه أخرج له قبل ذلك معنعناً .
وهي مدفوعة كذلك أيضاً عمن أخرج لهم مسلم فإنه اشترط مع المعاصرة إمكان اللقاء ، وأن لا يكون المرسل ممن عرف بالتدليس والإرسال ، فمثل هذا لا يخرج له في الصحيح ، وما وجد فيهما من أحاديث فيها عنعنة من عرف بالتدليس والإرسال فمحمول على وجود طرق أخرى فيها التصريح بالسماع والتحديث .
وأما البدعة : فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفَّرُ بها أو يفسق ، فالمكفَّر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقاً عليه من قواعد جميع الأئمة - كما في غلاة الروافض - من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره ، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، أو غير ذلك ، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة .
والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغيرهم من الفرق والطوائف المخالفة لأصول السنة خلافاً ظاهراً ، لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ .
فهذا هو الذي وقع الخلاف في قبول حديثه إذا كان معروفاً بالتحرز من الكذب ، مشهوراً بالسلامة من خوارم المروءة ، موصوفاً بالديانة والعبادة .
والمذهب الأعدل - كما قال الحافظ - التفريق بين أن يكون داعية إلى بدعته أو غير داعية ، فيقبل حديث غير الداعية ، ويرد حديث الداعية ، وزاد بعضهم قيداً : وهو ألاَّ تشتمل رواية غير الداعية على ما يشيد بدعته ويزينها ويحسنها ، وأن لا يوافقه غيره في رواية هذا الحديث ، فإن وافقه غيره فلا يلتفت إلى حديث المبتدع إخماداً لبدعته ، وإطفاءً لناره ، وأما إذا لم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما عرف به من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالدين ، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ، فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته ، ومن هذا القبيل إخراج صاحبا الصحيح لجماعة ممن رموا ببعض بدع العقائد كالخوارج والإرجاء والقدر والتشيع ، وقد سرد الحافظ رحمه الله أسماءهم في فصل مستقل ( مقدمة الفتح 646) .
ومما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أيضاً أن الطعن قد يقع بما لا أثر له في الرواية ، كما عاب قوم من أهل الورع جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم بذلك ، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط ، وأبعد من ذلك التضعيف الذي يقع من باب التحامل بين الأقران ، أو تضعيف من ضعف من هو أوثق منه ، أو أعلى قدراً ، أو أعرف بالحديث ، فكل هذا غير مقبول ولا يعتبر به ، وقد ذكر الحافظ رحمه الله ما وقع في الصحيح من ذلك ، وسرد جميع أسماء من ضعفوا بأمر مردود غير مقبول . (مقدمة الفتح 654) .
وأما رجال البخاري المتكلم فيهم ، فقد عقد الحافظ رحمه الله فصلا مستقلا للكلام عليهم رجلاً رجلاً ، مع حكاية الطعن ، والتنقيب عن سببه ، والجواب عن ذلك بما يكفي ويشفي ، كما فعل في الأحاديث المنتقدة تماماً .
ومن ذلك على سبيل المثال أنه ذكر في أولهم ممن اسمه أحمد تسعة نفر اختلف فيهم ، وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم ، فثلاثة منهم اتضح بأنهم ثقات ، وأن قدح من قدح فيهم ساقط ، وثلاثة فيهم كلام إنما أخرج لكل واحد منهم حديثاً واحداً متابعة ، يروي البخاري الحديث عن ثقة أو أكثر ، ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلم فيه ، واثنان روى عن كل منهما أحاديث يسيرة متابعة أيضاً ، والتاسع أحمد ابن عاصم البلخي ليس له في الصحيح إلا موضع واحد ، ورد في رواية المستملي عند تفسير (( الجذر والوكْت )) في باب في باب رفع الأمانة من كتاب الرقاق ، وليس حديثاً مسنداً .وإذ قد عرفت حال التسعة الأولين فقس عليهم الباقي ، وإن شئت فراجع وابحث يتضح لك أن البخاري عن اللوم بمنجاة ، وحسبك أن رجال البخاري يناهزون ألفي رجل ، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم .
وأما فيما يتعلق بإخراج البخاري لحديث عكرمة مولى ابن عباس ورميه بالكذب ، فإن ترجمة عكرمة موجودة في الفتح فليراجعها من أحب ، وأما البخاري فقد كان الميزان بيده ، لأنه كان يعرف عامة ما صح عن عكرمة إن حدَّث به ، فاعتبر حديثه بعضه ببعض من رواية أصحابه كلهم ، فلم يجد تناقضاً ولا تعارضاً ولا اختلافاً لا يقع في أحاديث الثقات ، ثم اعتبر أحاديث عكرمة عن ابن عباس وغيره ، بأحاديث الثقات عنهم فوجدها يصدق بعضها بعضاً ، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد في القرآن أو من حديث صحابي آخر .
فتيبن للبخاري أنه ثقة ، ثم تأمَّلَ ما يصح من كلام من تكلم فيه فلم يجد حجة تنافي ما تبين له ، والزعم بأن مسلماً ترجح عنده كذبه فلم يرو إلا حديثاً واحداً في الحج ، ولم يعتمد فيه عليه وحده ، وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير ، قول متناقض في الحقيقة ، فإن من استقر الحكم عليه بأنه متهم بالكذب ، لا يتقوى بروايته أصلاً ولا سيما في الصحيح ، لكن لعل مسلماً لم يتجشم ما تجشم البخاري من تتبع حديث عكرمة واعتباره ، فلم يتبين له ما تبين للبخاري ، فوقف عن الاحتجاج بعكرمة .
وأما الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم فقد أجاب عنها واحداً واحداً جهابذة من أئمة الحديث ذكرهم الإمام السيوطي في ( تدريب الراوي 1/94) فقال : " ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفاً مخصوصاً فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته ، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتاباً في الرد عليه ، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح بعضها أبهم راويه وبعضها في إرسال وانقطاع ، وبعضها وجادة وهي في حكم الانقطاع وبعضها بالمكاتبة ، وقد ألف الرشيد العطار كتاباً في الرد عليه والجواب عنها حديثاً حديثاً وقد وقفت عليه . أهـ .
وفيما يتعلق بإخراج مسلم لبعض الضعاف والمتوسطين الذين ليسوا من شرط الصحيح ، مما يخل بشرطه ، فجواب ذلك من أوجه ذكرها الإمام ابن الصلاح في كتابه " صيانة صحيح مسلم (1/96) ، ونقلها عنه النووي في شرحه ( 1/24) :
أحدها : أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ، ولا يقال : الجرح مقدَّم على التعديل ، لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسرَ السبب ، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك ، وقد قال الخطيب البغداي : ما احتج البخاري و مسلم و أبو داود به من جماعة عُلم الطعن فيهم من غيرهم ، محمولٌ على أنه لم يثبت الطعن المؤثرُ مفسَّرَ السبب .
الثاني : أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد ، لا في الأصول ، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسنادٍ نظيف ، رجاله ثقات ، ويجعله أصلا ، ثم يتبعه بإسنادٍ آخر ، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة ، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قَدَّمه ، وقد اعتذر الحاكم بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح ، منهم مطر الوراق و بقية بن الوليد و محمد بن إسحاق بن يسار و عبد الله بن عمر العمرى و النعمان بن راشد ، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين .
الثالث : أن يكون ضعف الضعيف الذى احتج به طرأ بعد أخذه عنه ، باختلاط حدث عليه ، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته ، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب حيث ذكر الحاكم أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين ، أي بعد خروج مسلم من مصر ، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة و عبدالرازق وغيرهما ممن اختلط آخراً ، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك .
الرابع : أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل ، فيقتصر على العالي ، ولا يطول بإضافة النازل إليه ، مكتفياً بمعرفه أهل الشأن في ذلك ، وهذا العذر قد روي عن مسلم تنصيصاً ، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولاً ثم أتبعه بمن دونهم متابعة ، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته ، فقد روي عن سعيد بن عمرو البرذعى أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر صحيح مسلم وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر و قطن بن نسير و أحمد بن عيسى المصري ، وأنه قال أيضاً : يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا : إذا احتج عليهم بحديث : ليس هذا في الصحيح ، قال سعيد بن عمرو : فلما رجعت إلى نيسابور ، ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة فقال لي مسلم : إنما قلت : " صحيح " ، وإنما أدخلت من حديث أسباط و قطن و أحمد ، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات .
قال سعيد : وقَدِم مسلم بعد ذلك الريّ ، فبلغني أنه خرج إلى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن وارة فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له نحواً مما قاله لي أبو زرعة : إن هذا يطرق لأهل البدع ، فاعتذر مسلم وقال : إنما أخرجت هذا الكتاب ، وقلت " هو صحاح " ، ولم أقل : " إن ما لم أخرجه من الحديث فى هذا الكتاب فهو ضعيف " ، وإنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعاً عندي ، وعند من يكتبه عنى ، ولا يرتاب فى صحته ، فقبل عذره وحمده .
وأما ما يتعلق باستشكال بعض الأحاديث أو عدم إمكانية الجمع بينها من قبل بعض الشراح ، فليس فيه دليل أبداً على بطلانها ، فالناس تختلف مداركهم وأفهامهم ، خاصة إذا كان المستشكل يتعلق بأمر غيبي لقصور علم الناس في جانب علم الله وحكمته .وفي القرآن نفسه آيات كثيرة يشكل أمرها على كثير من الناس ، وآيات يتراءى فيها التعارض ، مع أنه كله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهل يعد ذلك طعناً في القرآن .
وهل ما استشكله النووي أو الحافظ ابن حجر ، حكما عليه بالضعف وعدم الصحة ، حتى يتخذ ذلك وسيلة للطعن في الصحيحين ؟ أم هو الادعاء الباطل الذي لا يمت إلى الحقيقة بصلة ؟ وقد رأيت كيف دافع هذان الإمامان عن أحاديث الصحيحين بما لا يدع مجالاً لطاعن فيهما .
وبعد ، فهذا كلام أئمة الدنيا ، وجهابذة المحدثين في زمنهم الذين اشتغلوا بالصحيحين ، وسبروا أحاديثهما ورجالهما ، وأفنوا فيهما أعمارهم وأوقاتهم ورحلاتهم ، فهل بعد كلام الأئمة يقبل قول لقائل أو متخرص ، يأتي في أعقاب الزمن ليطلق الأحكام جزافاً ، وليتهم جميع هذه الأمة التي أجمعت على تلقي هذين الكتابين بالقبول ، وجلالة المُصَنِّفَيْن في هذا الشأن .

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 9

(الطعن فى الصحابة)
........

منزلة الصحابة ومكانتهم في الدين أمر لا يجادل فيه مسلم صادق في إسلامه ، فهم الذين اختصهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصدقوه وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه ، وبذلوا في سبيل دينهم المهج والأرواح والغالي والنفيس ، حتى اكتمل بنيانه واشتدت أركانه ، فكانوا خير جيل عرفته البشرية ، وخير أمة أخرجت للناس ، وكانوا أهلا لرضوان الله ومحبته .
والصحابة رضي الله عنهم هم أمناء هذه الأمة ، وحملة شريعتها ، ونقلتها إلى من بعدهم ، ولذا فإن الطعن فيهم والتشكيك في عدالتهم يفضي في الحقيقة إلى هدم الدين والقضاء على الشريعة ، وعدم الوثوق بشيء من مصادرها ، والإطاحة بجملة وافرة من النصوص والأحاديث التي إنما وصلتنا عن طريقهم وبواسطتهم ، وبالتالي إبطال الكتاب والسنة .
وهذا ما حدا بعلماء المسلمين إلى أن يقفوا موقفا صارماً ممن يطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو يشكك في عدالتهم .
قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عندنا حق والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" ( الكفاية في علم الرواية 97 ) .
وقال يحيى بن معين رحمه الله في تليد بن سليمان المحاربي الكوفي : " كذاب كان يشتم عثمان وكل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- دجال لا يكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ( تهذيب التهذيب 1/447) .
وقال أبو أحمد الحاكم الكرابيسي ( ت378هـ) في يونس بن خباب الأسيدي مولاهم أبو حمزة الكوفي :" تركه يحيى - يعني ابن معين- وعبدالرحمن – يعني بن مهدي- وأحسنا في ذلك لأنه كان يشتم عثمان ، ومن سب أحداً من الصحابة فهو أهل أن لا يروى عنه " ( تهذيب التهذيب 11/385) .
ومع الأسف الشديد فقد أشرع أقوام سهامهم في وجه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعمدوا إلى تشويه صورتهم ، وتسويد صحائفهم ، واتهامهم بالنفاق والخيانة ، والردة والتبديل بعد رسول الله مستدلين بأحاديث أساؤوا فهمها ، وحرفوها عن مواضعها ليتوصلوا من خلالها إلى ما يريدون ، فادعوا أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا وارتدوا على أدبارهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلا القليل منهم .
واستدلوا على ذلك بأحاديث ، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( بينا أنا قائم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم فقلت : أين قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم : قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) .
وفي رواية عن أنس رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض ، حتى عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : أصحابي : فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .
- وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( تحشرون حفاة عراة غرلاً ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين } ، فأول من يكسى إبراهيم ، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال ، فأقول أصحابي : فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : عيسى ابن مريم {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ) .
- وعن سهل بن سعد قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : ( إني فرطكم على الحوض ، من مر علي شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ) ، زاد أبو سعيد : ( فأقول : إنهم مني ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غير بعدي ) .
ولرد هذه الشبهة نقول :
أولا : إن الذي حكم بعدالة الصحابة وديانتهم هو الله جل وعلا ، ورسوله - صلى الله عليه وسلم – كما هو معلوم ومتواتر في نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم – منها قوله سبحانه :{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود الآية } (الفتح 29) ، وقوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم }( التوبة 100) ، وقوله : { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون } ( التوبة 88) ، وقوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً }(الفتح 18) . – وقوله عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيحين- : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ، وقوله: ( لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) أخرجاه في الصحيحين ، وقوله: ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه )رواه الترمذي .
إلى غير ذلك من النصوص التي تزكيهم ، وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وبلائهم ، وتدعو إلى حفظ حقهم وإكرامهم وعدم إيذائهم بقول أو فعل ، وأي تعديل بعد تعديل الله لهم ؟! ، وأي تزكية بعد تزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى .
قال الإمام – ابن النجار - : "إن من أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلا ؟ فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم" ( شرح الكوكب المنير 2/475 ) .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله بعدما ذكر جملة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم - :" كلها مطابقة لما ورد في نص القرآن ، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم ، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له .... على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين ، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين وهو مذهب كافة العلماء " ( الكفاية في علم الرواية 48-49) .
فالزعم بأن أحاديث الذود عن الحوض ، المقصود بها صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- - الذين آمنوا به وصدقوه وعزروه ونصروه - ، تكذيب بجميع النصوص الصريحة السابقة التي تبين رضى الله عنهم ، وتشيد بفضلهم ومكانتهم ، كما أنه طعن في كلام الله جل وعلا ، إذ كيف يمكن أن يرضي الله سبحانه عن أقوام ويثني عليهم ويزكيهم ، وهو يعلم أنهم سيرتدون على أعقابهم بعد وفاة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ؟! اللهم إلا أن يقال - تعالى الله عن ذلك - : إن الله جل وعلا لم يكن يعلم ذلك حتى وقع ، وهذا هو الكفر الصراح .
وهو أيضاً طعن في الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي ترضّى عن صحابته ودافع عنهم وبشر بعضهم بالجنة فقال : ( أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، وسعد في الجنة ، وسعيد في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ) رواه الترمذي وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( لن يدخل النار رجل شهد بدرا والحديبية ) ، وتوفي - صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض ، فهل من الممكن أن يتناقض الرسول - صلى الله عليه وسلم- مع نفسه ويقول للصحابي أنت في الجنة ثم يجده ممن ارتد عن الحوض !؟ أليس هذا طعن صريح في النبي صلوات الله وسلامه وعليه ؟! ، وكيف يجيب هؤلاء عن رواية الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه وحسنها الحافظ في الفتح ، وفيها أنه قال : " يا رسول الله ادع الله أن لا يجعلني منهم ! قال : لست منهم " ، فهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يعلـم حال بقية الصحابة الذين أثنى عليهم ورضي عنهم كما علم حال أبي الدرداء عندما استثناه من المذادين عن الحوض ؟! .
ثانياً : من المعلوم أن الذين لقوا النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا صنفاً واحداً ، فهناك المنافقون الذي كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون ، ومع ذلك كانوا يشهدون المشاهد والمغازي ، وهناك المرتابون ورقيقوا الدين من جفاة الأعراب الذين ارتد كثير منهم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ، وقد قال سبحانه : { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم } (التوبة 101) .
وهذه الأحاديث قد ورد فيها ما يبين أسباب الذود عن الحوض ، وأوصاف أولئك المذادين عنه ، وهي أوصاف لا تنطبق على الصحابة رضي الله عنهم الذين رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم- على عينه وتوفي وهو عنهم راض ، ولذا أجمع الأئمة والشراح على أن الصحابة رضي الله عنهم غير معنيين بهذه الأحاديث ، وأنها لا توجب أي قدح فيهم .
قال الإمام الخطابي رحمه الله : " لم يرتد من الصحابة أحد ، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب ، ممن لانصرة له في الدين ، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين ، ويدل قوله : ( أصيحابي ) على قلة عددهم " ( فتح الباري 11/385 ) ، وكما يدل قوله ( أصيحابي) على قلة عددهم، فإنه يدل أيضاً على قلة صحبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم- ولقائهم به وملازمتهم له .
قال الإمام البغدادي في كتابه : (الفَرْق بين الفِرق) : " أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم- من كندة ، وحنيفة وفزارة ، وبني أسد ، وبني بكر بن وائل ، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة ، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- قبل فتح مكة وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم والصراط المستقيم " .
وقد اختلف العلماء في أولئك المذادين عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد اتفاقهم على أن الصحابة رضي الله عنهم غير معنيين بذلك .
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على مسلم (3/136-137) عند كلامه على بعض روايات الحديث والتي فيها قوله عليه الصلاة والسلام : ( وهل تدري ما أحدثوا بعدك ) : " هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال :
أحدها : أن المراد به المنافقون والمرتدون ، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل ، فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم- للسيما التي عليهم ، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم ، إن هؤلاء بدلوا بعدك : أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم .
والثاني : أن المراد من كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد بعده ، فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء ، لما كان يعرفه - صلى الله عليه وسلم - في حياته من إسلامهم ، فيقال : ارتدوا بعدك .
والثالث : أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد ، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام " أهـ .
وذكر هذه الأقوال أيضاً القرطبي في المفهم ( 1/504 ) ، والحافظ ابن حجر في الفتح (11/385) .
فعلم أن الصحابة رضي الله عنهم غير داخلين في هذه الأوصاف ، ولو رجعنا إلى تعريف العلماء للصحابي لوجدنا ما يبين ذلك بجلاء ، فقد عرفوا الصحابي بأنه : " من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك " ، وهذا التعريف يخرج به المنافقون والمرتدون فلا يشملهم وصف الصحبة أصلاً .
كيف والصحابة رضي الله عنهم هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم ، ووقفوا في وجوههم ، ونصر الله بهم الدين ، في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام حين ارتد من ارتد من العرب ، حتى أظهرهم الله على عدوهم ، وأعز بهم دينه وأعلا بهم كلمته ، وهم كذلك أبعد الناس عن النفاق لما علم من صدق إيمانهم ، وقوة يقينهم ، وإخلاصهم لدينهم .
وكذلك الحال بالنسبة للابتداع والإحداث في الدين ، فالصحابة رضي الله عنهم كان وجودهم هو صمام الأمان الذي يحول دون ظهور البدع وانتشارها ، ولم تشتد البدع وتقوى شوكتها إلا بعد انقضاء عصرهم ، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- : ( النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحـابي أتى أمتـي مـا يوعدون " رواه مسلم ، قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم- : ( وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) : " معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه ، وطلوع قرن الشيطان ، وظهور الروم وغيرهم عليهم ، وانتهاك مكة والمدينة وغير ذلك ، وهذه من معجزاته - صلى الله عليه وسلم – " .
ومواقف الصحابة من البدع التي ظهرت بوادرها في زمنهم ، وشدة إنكارهم على أصحابها من أكبر الأدلة على بغضهم للبدع والإحداث في الدين ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية : " إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء ، وهم منه برآء ثلاث مرات " أخرجه الآجري ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما- : " ما في الأرض قوم أبغض إلىَّ من أن يجيئوني فيخاصموني في القدر من القدرية " أخرجه الآجري ، ونقل البغوي إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع فقال : " وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم " ( شرح السنة للبغوي 1/194) .
فهذه المواقف العظيمة للصحابة رضي الله عنهم من أهل الردة والابتداع هي من أعظم الشواهد على صدق تدينهم ، وقوة إيمانهم ، وحسن بلائهم في الدين ، ولذا فهم أولى الناس بحوضه عليه الصلاة والسلام لحسن صحبتهم له في حياته ، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته .
ثالثاً : ليس هناك ما يمنع من أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من جمع تلك الأوصاف الواردة في الأحاديث ، حتى ولو لم يكن ممن لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - طالما أنه اشترك في نفس الوصف ، وقد ورد في بعض روايات الحديث ما يقوي هذا الاحتمال ، ففي بعضها يقول - صلى الله عليه وسلم- : ( سيؤخذ أناس من دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي ) وفي بعضها : ( بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة ) ، وفي بعضها : ( ترد عليَّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه ....الحديث ) ، وذكر من يذادون وأنهم من هذه الأمة ، وفي بعضها: ( ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ) .
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله : ( إنهم ارتدوا على أدبارهم ) ، أو الإحداث في الدين كما في قوله : ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) ، فمقتضى ذلك أن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم- من الأعراب ، أو من كان بعد ذلك ، ومثلهم في ذلك أهل الإحداث والابتداع ، وهذا هو ظاهر قول بعض أهل العلم ، قال الإمام ابن عبد البر : " كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض .... قال : وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق ، والمعلنون بالكبائر ، قال : وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم " (شرح مسلم للنووي 3/137) .
وقال القرطبي في التذكرة(1/348) : " قال علماؤنا -رحمة الله عليهم أجمعين- فكل من ارتد عن دين الله ، أو أحدث فيه ما لا يرضاه ولم يأذن به الله ، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه .....".
وكونه عليه الصلاة والسلام قد عرفهم لا يلزم منه أنه عرفهم بأعيانهم ، بل بسمات خاصة كما جاء في رواية مسلم : ( ترد عليَّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله ، قالوا : يا نبي الله أتعرفنا ؟ قال : نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم ، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء ، وليُصدَّن عني طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يارب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ) .
فقوله ( منكم ) أي من الأمة ، وهذا يعني أنهم يحشرون جميعاً بنفس سيما المؤمنين كما في حديث الصراط : ( ....وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها.. ) ، مما يدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين ويعرفهم النبي - صلى الله عليه وسلم- بسمات هذه الأمة .
رابعاً : هذه الأحاديث رواها الأئمة في كتب الصحاح والمسانيد والمعاجم عن عشرات الصحابة رضي الله عنهم منهم عمر و أبو هريرة و عائشة ، و أم سلمة ، و حذيفة ، و أبوسعيد الخدري ، و ابن مسعود ، و أنس ، و سهل بن سعد ، و ابن عباس ، فإذا كان هؤلاء هم المعنييون بهذه الأحاديث ، فهل من المعقول أن يثبتوها ويرووها لنا كما جاءت ، مع أن فيها ما يحكم بردتهم وتبديلهم وإحداثهم في الدين بعد نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ؟! .
خامساً : لو كان المقصود بهذه الأحاديث الصحابة الذين وجه إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كلامه ، لما احتاج عليه الصلاة والسلام أن يقول : ( ليردن علي الحوض أقوام ) ، أو ( بينا أنا قائم إذا زمرة ) ، أو ( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض ) ، أو ( ثم يؤخذ برجال من أصحابي ) ، ولتوجه بالخطاب إليهم صراحة كأن يقول : ( لتردن علي الحوض ثم لتختلجن دوني ) ، وما أشبه ذلك ، مما يقطع بأن الصحابة رضي الله عنهم غير معنيين بهذه الأحاديث .
سادساً : وردت هذه الأحاديث بألفاظ تدل على التقليل والتصغير ، مثل قوله " أقوام " و" رهط " ، و" زمرة " ، و" أصيحابي " بالتصغير مما يرد الزعم بأن المقصود بهذه الأحاديث هم الأكثرية .
ألا ترى أن القائل إذا قال : أتاني اليوم أقوامٌ من بني تميم ، وأقوامٌ من أهل الكوفة فإنما يريد قليلاً من كثير ، ولو أراد أنهم أتوه إلا نفراً يسيراً ، لقال أتاني بنو تميم وأتاني أهل الكوفة ، ولم يجز أن يقول قوم ، لأن القوم هم الذين تخلفوا .
وأما الاستدلال بقوله - صلى الله عليه وسلم- : ( فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) أي : " ضوال الإبل " بأن المراد بذلك أن الأكثر هم الذين يذادون عن حوضه - صلى الله عليه وسلم- ، فهو استدلال يدل على جهل صاحبه باللغة ، لأن الضمير في قوله : ( منهم ) ، إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه ، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل ، وهذا ظاهر من سياق الحديث ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : ( بينما أنا قائم ، فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلَمّ ، فقلت أين؟ قال: إلى النار والله ، قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال: هلم ، قلت : أين؟ قال : إلى النار والله ، قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم ) ، فليس للصحابة في الحديث ذكر ، وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من دون الحوض ، ثم لا يصل إليه من هؤلاء المذادين إلا القليل ، ولذا قال الحافظ رحمه الله في تعليقه على قوله : ( فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم ) : " يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه ... والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره " .
سابعاً : من أين لهؤلاء المدعين تحديد بعض الصحابة بأنهم من المرتدين المحدِثين المذادين عن حوضه - صلى الله عليه وسلم- ، وتحديد آخرين بأنهم من المستثنين من ذلك ، والنصوص لم يرد فيها أي تحديد أو تقييد ، أليس ما جرى على أولئك المذادين يمكن أن يجري على غيرهم ؟ وما استدلوا به على ردتهم يمكن أن يستدل به خصومهم على ردة غيرهم – ونحن لا نقول بذلك - طالما أن النصوص لم يرد فيها تحديد ، فإن قيل : قد ثبتت جملة الأحاديث تثني على هؤلاء الصحابة المستثنين وتثبت أنهم من أهل الجنة ، فنقول : وكذا الصحابة الذين تحاولون إدخالهم فيمن يرتد عن الحوض ، هناك عشرات الأدلة من الكتاب والسنة تثبت رضى الله عنهم ، وتزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم- لهم ، وتثني عليهم غاية الثناء ، وأنهم هـم المؤمنون حقاً ، وتثبت بالدليل القاطع أنهم من أهل الجنة .
وبذلك يتضح الحق ، وتنكشف الشبهة ، ويظهر فساد الاستدلال بهذه الأحاديث على الطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عيه وسلم- ، وبراءتهم مما نسبوا إليه ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا في زمرتهم .

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 8

(قصة الغرانيق)
.........

لما كان القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساسي لشرائع الإسلام ، ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، وجه أعداء الإسلام سهامهم إليه بغرض إثارة الشبهات حوله ، والتشكيك في مصدريته ، ومحاولة رفع الثقة عنه ، مستغلين في ذلك بعض الروايات الواهية والإسرائيليات المبثوثة هنا وهناك لتأييد صحة دعواهم ، فأخذوا يزيدون فيها ، ويحورونها بما يتفق ونواياهم الخبيثة في هدم الإسلام وتشويه صورته باسم التحقيق العلمي والبحث الموضوعي .
نجد ذلك على سبيل المثال في " دائرة المعارف الإسلامية " التي وضعت من قبل المستشرقين للتعريف بدين الإسلام ، حيث يقول المستشرق الهولندي " شاخت " تحت مادة (أصول ): " إن أول مصادر الشرع في الإسلام وأكثرها قيمة هو الكتاب ، وليس هناك من شك في قطعية ثبوته وتنزيهه عن الخطأ على الرغم من إمكان سعي الشيطان لتخليطه " .
ويقول بروكلمن في كتابه " تاريخ الشعوب الاسلامية " : " ولكنه – يعني الرسول صلى الله عليه وسلم- على ما يظهر اعترف في السنوات الأولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات اللّه ، ولقد أشار إليهن في إحدى الآيات الموحاة إليه بقوله : ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضى ) .
ويقول المستشرق الدنماركي " بوهل " : " .... تشير الروايات الموثوقة المعتمد عليها أنه سمح لنفسه أن تغوي بواسطة الشيطان لمدح اللات والعزى ومناة إلى حدٍّ ما ، لكنه اكتشف زلته فيما بعد ثم أوحيت إليه الآية 19 من سورة النجم " .
وأما " مونتجومري وات " فقد قال في كتابه : " محمد الرسول والسياسي " : " رتَّل محمد في وقت من الأوقات الآيات التي أوحى بها الشيطان على أنها جزء من القرآن ، ثم أعلن محمد فيما بعد أن هذه الآيات لا يجب أن تعتبر جزءاً من القرآن ، وقال : وكان يريد قبولها في الوهلة الأولى ...... " .
وهم يشيرون بذلك إلى قصة الغرانيق التي أوردها بعض المفسرين وأصحاب المغازي والسير ورويت بألفاظ مختلفة حاصلها أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان بمكة ، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى قولـه تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى }(النجم19-20) ، فجرى على لسانه : ( تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ) ، فسمع ذلك مشركوا مكة ، فَسُرُّوا بذلك ، فاشتَدَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فأنزل الله تعالى قوله : {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم }(الحج 52).
وقد اعتمد المستشرقون على هذه القصة مع أنها ظاهرة التهافت ، واضحة البطلان ، مع تعرض الأئمة لها بالنقد من قديم الزمان وحتى عصرنا الحاضر ، لما فيها من القدح في عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير المتعلق بأمور الوحي والتبليغ والاعتقاد ، وجواز أن يجري الكفر على لسانه ، وأن يزيد في القرآن ما ليس منه ، وأن يكون للشيطان عليه سبيل ، وحينئذ ترتفع الثقة بالوحي جملة ، وينتقض الاعتماد عليه بالكلية ، وينهدم أعظم ركن من أركان الشريعة ، وهو ما يريده أعداء الدين .
وسنناقش فيما يلي أوجه رد هذه القصة من حيث الرواية والدراية .
رد القصة من حيث الرواية
من المعلوم أن الاحتكام في قبول الأحاديث أو ردها يجب أن يكون إلى القواعد والضوابط التي وضعها أهل هذا الفن لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه ، فليس كل ما يروى وينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- يلزم أن يكون من قوله ، ومن تلك القواعد النظر في الأسانيد والرواة ، ولو تتبعنا أسانيد هذه القصة فإننا سنجد أن الحديث الوارد فيها لم يرو موصولاً إلا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وإن كان قد روي مرسلاً عن عدد من التابعين .
وجميع الطرق الموصولة إلى ابن عباس واهية شديدة الضعف لا يصح منها شيء ألبتة كما قال المحدثون .
وأما المرسلة فلا يصح منها إلا أربع روايات وهي رواية سعيد بن جبير و أبي العالية و أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث و قتادة .
وهذا الروايات وإن صحت إليهم فإن ذلك لا يعني قبولها ، والاعتماد عليها لأنها مراسيل ، والمرسل- كما هو معلوم عند جماهير المحدثين - في عداد الحديث الضعيف ، وذلك لجهالة الواسطة ، واحتمال أن يكون غير صحابي ، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة وغير ثقة ، فلا يؤمن أن يكون كذاباً .
قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه : " والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " ، ومثله قال الإمام ابن الصلاح في مقدمته : " ...و ما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضَعفه ، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، و نقاد الأثر، و قد تداولوه في تصانيفهم ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ( 7/435) : " وأما أحاديث سبب النزول فغالبها مرسل ليس بمسند ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل : " ثلاث علوم لا إسناد لها ، وفي لفظ ليس لها أصل : التفسير والمغازي والملاحم ويعني أن أحاديثها مرسلة " .
ولو نظرنا فيمن صحت عنه هذه المراسيل لوجدناهم من طبقة واحدة ، فوفاة سعيد بن جبير سنة (95) و أبي بكر بن عبد الرحمن سنة (94)، و أبي العالية سنة (90) ، و قتادة سنة بضع عشرة و مائة ، و الأول كوفي ، و الثاني مدني ، و الأخيران بصريان .
فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا عنه هذه القصة واحداً ، وجائز أن يكون جمعاً ولكنهم جميعاً ضعفاء ، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقَبول حديثهم هذا ، لا سيّما في مثل هذا الأمر العظيم الذي يمسّ مقام النبوة ، فلا جرم حينئذ أن يتتابع العلماء على إنكار هذه الرواية والتنديد ببطلانها .
فقد سئل عنها الإمام بن خزيمة فقال : " هذه القصة من وضع الزنادقة " نقل ذلك الفخر الرازي في تفسيره (23/44) ، ونقل عن الإمام البيهقي قوله : " هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل " .
وقال ابن حزم في كتاب " الفصل في الأهواء والنحل " (2/311) : " وأما الحديث الذي فيه : ( وأنهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ) فكذب بحت موضوع ، لأنه لم يصح قط من طريق النقل ، ولا معنى للاشتغال به ، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد " اهـ .
وقال القاضي عياض في الشفا (2/79) : " هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل....، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ، ولا رفعها إلى صاحب ، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيما أحسب - الشك في الحديث - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان بمكة ....، وذكر القصة " ، ثم نقل كلام البزار وقال : " فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا ، وفيه من الضعف ما نبه عليه ، مع وقوع الشك فيه ، كما ذكرناه ، الذي لا يوثق به ، ولا حقيقة معه .
قال : وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البراز رحمه الله ، والذي منه في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قرأ : (والنجم ) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس " اهـ .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/239) : " قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ، ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، والله أعلم " . اهـ .
وقال الشوكاني :" ولم يصح شيء من هذا ، ولا يثبت بوجه من الوجوه " .
وهذا هو مذهب أكثر المفسرين والمحدثين ، وممن ذهب إليه الجصاص ، و ابن عطية و أبو حيان ،و السهيلي ،و الفخر الرازي ،و القرطبي ،و بن العربي ،و الآلوسي ، و أبو السعود ، و البيضاوي ، و القاسمي و الشنقيطي ، و المنذري ، و الطيبي ، و الكرماني و العيني وغيرهم .
ولولا الرغبة في الاختصار لاستعرضنا هذه الروايات وعللها ، وكلام أهل العلم عليها على وجه التفصيل ، ومن أراد الاستزادة حول الروايات والطرق فليرجع إلى كتاب الشيخ الألباني رحمه الله : " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق " ، وكتاب " التحقيق في قصة الغرانيق " لأحمد بن عبد العزيز القصير .
رد القصة من حيث الدراية
ومع كون الرواية لا تثبت من جهة الإسناد ، فهناك عدة دلائل في المتن يستحيل معها ثبوت مثل هذا الكلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ومن ذلك :
أولاً : مصادمة القصة لصريح القرآن ، وذلك لأن ما تفيده هذه القصة مخالف مخالفة صريحة لآيات كثيرة في القرآن ، تنص على أن الله جل وعلا لم يجعل للشيطان سلطاناً على النبي - صلى الله عليه وسلم- وإخوانه من الرسل وأتباعهم المخلصين ، مثل قوله تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } (الإسراء 65 ) ، وقوله سبحانه : {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } (النحل 99- 100 ) ، وقوله سبحانه {وما كان له عليهم من سلطان } (سبأ 21 ) ، وقوله : {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } ( إبراهيم 22) ، وأي سلطان أعظم من أن يلقي الشيطان على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم – هذه العبارة الشركية الصريحة .
هذا عدا عن مصادمتها للآيات الصريحة التي تفيد حفظ الذكر وصيانته من التحريف والتبديل ، والزيادة والنقص ، كقوله سبحانه : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر 9) ، وقوله : {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه }( فصلت 42) ، وقوله تعالى : {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى }(النجم 3- 4 ) ، ومن المعلوم أن من الأسباب التي يرد بها الخبر مناقضته الصريحة والواضحة للقرآن .
ثانياً : أنه قد قام الدليل القطعي ، وانعقد الإجماع على عصمته - صلى الله عليه وسلم - من جَرَيان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهواً ، أو أن يتقول على الله لا عمداً ولا سهواً ما لم ينزل عليه ، قال تعالى : {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي } (يونس 15) وقال جل وعلا : {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين }(الحاقة 44- 46) ، و قال : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً * إذاً لأذقناك ضِعف الحياة و ضِعفَ الممات }( الإسراء 74- 75) ، وهذه الرويات تناقض تماماً دليل العصمة .
ثالثاً : أن سياق الآيات نفسها من سورة النجم - والتي ذُكر في الرواية أنه تخللها إلقاء الشيطان- فيها قرينة واضحة على بطلان هذه الرواية ، لأنه لو كان السياق كما ذكرت الرواية : ( أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى – تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى - ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل بها من سلطان ) ، لكان في الكلام من الاضطراب والتناقض وعدم الانسجام ما ينزه عنه العقلاء من البشر فكيف بكلام الله جل وعلا الذي هو أفصح الكلام وأبينه ، إذ ليس من المعقول أن يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم - آلهة المشركين ثم يذمها في أربع آيات متعاقبة ، ويبين أنها أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان .
لا شك أن مثل هذا لا يخفى على من له أدنى تأمل في الكلام ؟ فضلاً عن فصحاء العرب وبلغائهم الذين كانت الكلمة بضاعتهم ، ونظم القصائد ونقد العبارة حديث مجالسهم وأسواقهم ، فهل كان يخفى عليهم مثل هذا الكلام المتناقض ؟! .
رابعاً : أن بعض روايات القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى : {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً } (سورة الإسراء 73- 74 ) .
وهاتان الآيتان تردان القصة ، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه ولولا أن الله ثبته لكاد أن يركن إليهم ، مما يدل على أن الله عصمه حتى لم يكد يركن إليهم قليلاً فكيف كثيراً ، فنفى عنه قرب الركون فضلاً عن الركون نفسه ، وهذه القصة تدل على أنه زاد على الركون بل والافتراء بمدح آلهتهم ، وأنه - صلى الله عليه وسلم – قال كما في بعض الروايات– وحاشاه من ذلك - : " افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل " وهذا ضد مفهوم الآية ، ومن أوضح الأدلة على بطلان القصة .
خامساً : من المعلوم أن مشركي قريش كانوا أحرص الناس على دفع نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ودحض حجته ، والتشكيك في رسالته ، والبحث عن أي مدخل يمكن أن ينفذوا من خلاله ، ولو صحت هذه القصة لكانت من الشهرة والذيوع واستمساك المشركين بها ما يغنيهم عن تكلف المشاق ، وبذل المهج والأرواح ، ولوجدوا بها الصولة على المسلمين ، ولتسببت في إحداث فتنة لكثير ممن أسلم ، ومع ذلك لم يرو عن معاندٍ فيها كلمة ، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، مما يدل على بطلانها واجتثاث أصلها .
سادساً : أن الحديث المروي من طرق صحيحة متعددة في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة كابن عباس و ابن مسعود و ابن عمر و أبي هريرة وغيرهم : ( أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ) وليس في هذه الطرق أي ذكر لقصة الغرانيق ، ولو كانت صحيحة لنقلت عبر هذه الأسانيد .
سابعاً : أنه مع ضعف هذه الروايات و انقطاع أسانيدها ، فإن الاضطراب الحاصل في متنها واختلاف كلماتها أمر بين ظاهر ، فقائل يقول : إن ذلك حصل منه عليه الصلاة والسلام وهو في الصلاة ، وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة ، وآخر يقول : قالها وقد أصابته سِنةٌ من نوم ، وآخر يقول : بل حَدَّثَ نفسه فسها ، وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي - صلى الله عليه و سلم- لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك؟! ، وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قرأها ، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم- ذلك ، قال : والله ما هكذا أنزلت ، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة الذي يضعف به الحديث لاضطرابه وإن صح سنده ، فكيف إذا اجتمع مع اضطراب المتن ضعف السند .
معنى الآية
والأقرب في معنى قوله تعالى في سورة الحج : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم }(الحج 52) ، سواء قلنا إن لفظ تمنى بمعنى قرأ وتلا - وهو ما عليه جمهور المفسرين – أو قلنا بأنه من التمني المعروف الذي أداته " ليت " ، أن يقال : إن إلقاء الشيطان هو ما يقذفه من الشبه والوساوس والشكوك والمعاني الباطلة للصد عن دين الله عز وجل ، والتكذيب بالقرآن .
فعلى القول بأن تمنى بمعنى قرأ وتلا يكون المعنى : ما من نبي ولا رسول إلا إذا قرأ وتلا ألقى الشيطان عند قراءته من الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه الرسول أو النبي ، كإلقائه عليهم أن هذه الآيات سحر أو شعر أو أساطير الأولين ، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده .
وعلى القول بأنه من التمني المعروف يكون المعنى : ما من نبي ولا رسول إلا إذا تمنى هداية قومه وإيمانهم ألقى الشيطان في سبيل أمنيته العقبات ، من الشبه والوساوس والشكوك للصد عن دين الله ، حتى لا يتم للنبي أو الرسول ما تمناه .
فينسخ الله تلك الشُّبَه والوساوس التي ألقاها الشيطان ، بمعنى أنه يبطلها ويذهبها ، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي : ومعناه الإبطال والإزالة ، ثم يحكم آياته فلا يبقى إلا الحق الذي أراده سبحانه.
ومما يؤكد أن هذا هو الأقرب في معنى الآية ، أن الله جل وعلا بين أن الحكمة في هذا الإلقاء المذكور في الآية إنما هو الابتلاء والامتحان فقال سبحانه : { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم } ( سورة الحج53) . ثم قال : {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم }( سورة الحج 54) .
فقوله : {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق } يدل على أن الشيطان يلقي عليهم أن الذي يقرأه النبي ليس بحق ، فيصدقه الأشقياء ويكون ذلك فتنة لهم ، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم والإيمان ، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم الشيطان في إلقائه ، ومثل هذا الامتحان لا يناسب شيئا زاده الشيطان من نفسه في القراءة .
ومما يشهد لهذا المعنى نظائر كثيرة من الآيات تبين دور الشيطان في الصد عن سبيل الله وزخرفة الباطل ، وفتنة الذين في قلوبهم مرض كقوله تعالى : {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } (الأنعام 112) ، وقوله : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } (الأنعام 121) ، وقوله : {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } ( المدثر31 ) ، وقوله : {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن } (الإسراء 60 ) ، وقوله في الآية الأخرى : {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } (الصافات 62-64 ) .
وأما سجود المشركين في آخر سورة النجم كما هو ثابت في الصحيح وغيره ، فليس فيه ما يدل على ثبوت هذه القصة أبداً ولا على أنهم فهموا من ذلك ما يشعر بمدح آلهتهم ، لأنه يمكن أن يكون سجودهم لأسباب عدة منها :
أن يكون لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة خصوصاً وقد ورد في آخرها من الوعيد الشديد ، وإهلاك الله للأمم قبلهم وذلك في قوله : {وأنه أهلك عاداً الأولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشاها ماغشى } ( النجم : 50- 54) ولم يكونوا قد سمعوا مثل هذا الوعيد منه - صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك ، وهو في هذا المقام وهذا الجمع بين يدي ربه سبحانه ، فاستشعروا نزول هذا العذاب بهم .
ومثله ما حصل لعتبة بن ربيعة حين قرأ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم- آيات من سورة فصلت وهي قوله سبحانه :{فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود }( فصلت 13) فأمسك عتبة بفم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وناشده بالرحم واعتذر لقومه ، حين ظنوا به أنه صبأ ، وقال : " كيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب " أخرجه البيهقي في الدلائل .
ويمكن أن يكون سبب سجودهم كما قال ابن مسعود أنها أول سجدة نزلت ، ويمكن أن يكونوا أرادوا بسجودهم معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم .
ويمكن أن يكونوا سجدوا لله جل وعلا لأن المشركين ما كانوا ينكرون عبادة الله وتعظيمه ، ولكنهم كانوا يعبدون معه آلهة أخرى كما أخبر الله عنهم ، فكان هذا السجود من عبادتهم لله .
فتلخص من ذلك أن هذه القصة الواردة في سبب نزول الآية ضعيفة بل باطلة ، وكل الروايات الواردة فيها معلَّة إما بالإرسال ، أو الضعف ، أو الجهالة ، وليس فيها ما يصلح للاحتجاج به ، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير ، الذي يمس مقام نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم- ، فضلاً عن الاضطراب الحاصل في متن الروايات كما سبق بيانه ، وبذلك يتضح أن هذه الآية لا يصح في سبب نزولها شيء ، وأن معناها ما سبق بيانه من وسوسة الشيطان وكيده وحرصه على إغواء الناس وصدهم عن سبيل الله .

شبهات حول السنة النبوية الشريفة والرد عليها 7

(تدوين السنة)
.......

نجح كثير من المستشرقين في العصور المتأخرة في التأثير على عقول بعض المسلمين ، فانخدعوا بكتاباتهم ودراساتهم حول الإسلام ، وهماً منهم أنها قامت على الموضوعية والحياد والإنصاف والتجرد في البحث العلمي ، ومن ثم اقتفوا آثارهم ، ورددوا دعاواهم التي لم يقيموا عليها أي بينة ، بل زادوا عليها من أنفسهم ، وكل هؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم باسم البحث والمعرفة وحرية النقد ، وهم أبعد ما يكون عن العلم الصحيح والبحث القويم والنقد النزيه .
وبذلك جاءت كتابات هذا الفريق من تلامذة المستشرقين وأذنابهم حول الإسلام عموماً والحديث النبوي خصوصاً لا تقلٌّ - إن لم تكن قد فاقت - كتابات المستشرقين في إثارة الشبه والتشكيك في مصادر الشريعة الإسلامية ، فكانت تلك الكتابات في حقيقتها ما هي إلا مرآة وصدى لأفكار المستشرقين التي تأثروا بها .وكان من هؤلاء الذين دعوا إلى ترك الحديث والاعتماد على القرآن الدكتور توفيق صدقي الذي كتب مقالين في مجلة المنار بعنوان " الإسلام هو القرآن وحده ، ثم تلاه " أحمد أمين في كتابه" فجر الإسلام " الذي عقد فيه فصلاً خاصاً أتى فيه بأفكار وآراء حول الحديث ، وهي لا تخرج في جملتها عن أفكار وآراء المستشرقين من غير أن ينسبها إليهم , ثم تسلم الراية بعدهم محمود أبو رية الذي ألف كتابه " أضواء على السنة المحمدية " ، فنشر فيه مزاعم واتهامات حول الحديث النبوي ، وخلط بين ما قاله من سبقه من المستشرقين ، ومن سار على منهجهم من المسلمين ، فجاء كتابه مزيجاً من مختلف الآراء التي قيلت للتشكيك في الحديث النبوي ورجاله ، وإظهار السنة بمظهر الاختلاف والتناقض والتحريف .وكان غرضهم من ذلك التشكيك في الحديث النبوي كمصدر ثانٍ من مصادر التشريع الإسلامي ، عن طريق الطعن في حجية السنة ، وإثارة الشبه حولها حتى يترك العمل بها من قبل المسلمين .ومن هذه الشبه التي رددها أذناب المستشرقين قولهم : " لوكانت السنة ضرورية لحفظها الله كما حفظ القرآن في قوله تعالى :{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابتها كما أمر بكتابة القرآن " (1) .
وقولهم في الحديث الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم : - ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ) ، : " لو كان هذا الحديث صحيحاً لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة السنة ، ولأمر بتدوينها كما دون القرآن ، ولا يمكن أن يدع نصف ما أوحي إليه بين الناس بغير كتابة ، ولا يكون حينئذ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها ، ولماذا ترك الصحابة نصف الوحي ولم يدونوه ، فبإهمالهم له يصبحون جميعاً من الآثمين " (2) .
وجواباً على هذه الشبه نقول : إن الله عز وجل كما أراد لهذه الشريعة البقاء والحفظ ، أراد سبحانه أيضاً ألا يكلف عباده من حفظها إلا بما يطيقون ولا يلحقهم فيه مشقة شديدة ، فمن المعلوم أن العرب كانوا أمة أمية ، وكان يندر فيهم الكتبة ، وكانت أدوات الكتابة عزيزة ونادرة ، حتى إن القرآن كان يكتب على جريد النخل والعظام والجلود ، وقد عاش النبي - صلى الله عليه وسلم -بين أصحابه بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة ، ولهذا كان التكليف بكتابة الحديث كله أمرا ًفي غاية الصعوبة والمشقة ، لأنه يشمل جميع أقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته - صلى الله عليه وسلم - ، ولِما يحتاجه هذا العمل من تفرغ عدد كبير من الصحابة له ، مع الأخذ في الاعتبار أن الصحابة كانوا محتاجين إلى السعي في مصالحهم ومعايشهم ، وأنهم لم يكونوا جميعا يحسنون الكتابة ، بل كان الكاتبون منهم أفراداً قلائل ، فكان تركيز هؤلاء الكتبة من الصحابة على كتابة القرآن دون غيره حتى يؤدوه لمن بعدهم تامًا مضبوطًا لا يُنْقص منه حرف .
ومن أجل ذلك اقتصر التكليف على كتابة ما ينزل من القرآن شيئاً فشيئاً حتى جمع القرآن كله في الصحف .
وكان الخوف من حدوث اللبس عند عامة المسلمين فيختلط القرآن بغيره - وخصوصاً في تلك الفترة المبكرة التي لم يكتمل فيها نزول الوحي - أحد الأسباب المهمة التي منعت من كتابة السنة .ثم إنه لم يحصل لحفاظ السنة في عهد الصحابة ما حصل لحفاظ القرآن ، فقد استحرَّ القتل بحفاظ القرآن من الصحابة ، أما السنة فإن الصحابة الذي رووا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا كثر ، ولم يحصل أن استحر القتل فيهم قبل تلقي التابعين عنهم .
ومن الأسباب أيضاً أن السنة كانت متشعبة الوقائع والأحداث فلا يمكن جمعها كلها بيقين ، ولو جمع الصحابة ما أمكنهم فلربما كان ذلك سبباً في رد من بعدهم ما فاتهم منها ظناً منهم أن ما جمع هو كل السنة .
ثم إن جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن كان عرضة لأن يُقبِل الناس على تلك الكتب ، ويدعوا القرآن ، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها عن طريق الرواية ، وبعض الكتابات الخاصة .
أضف إلى ذلك أن القرآن يختلف عن السنة من حيث أنه متعبد بتلاوته ، معجز في نظمه ولا تجوز روايته بالمعنى ، بل لا بد من الحفاظ على لفظه المنزل ، فلو ترك للحوافظ فقط لما أمن أن يزاد فيه حرف أو ينقص منه ، أو تبدل كلمة بأخرى ، بينما السنة المقصود منها المعنى دون اللفظ ، ولذا لم يتعبد الله الخلق بتلاوتها ، ولم يتحداهم بنظمها ، وتجوز روايتها بالمعنى ، وفي روايتها بالمعنى تيسير على الأمة وتخفيف عنها في تحملها وأدئها .
وقد بلَّغ - صلى الله عليه وسلم - الدين كله وشهد الله له بهذا البلاغ فقال سبحانه :{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } (المائدة 67) ، ووجود السنة بين الأمة جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم فيه أبلغ دلالة على تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياها لأمته وبالتالي لم يضع نصف ما أوحاه الله إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما زعم الزاعمون - ، بل الجميع يعلم أن الصحابه رضي الله عنهم كانوا يتمتعون بحوافظ قوية ، وقلوب واعية ، وذكاء مفرط ، مما أعانهم على حفظ السنة وتبليغها كما سمعوها ، مستجيبين في ذلك لحث نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لهم بقوله : ( نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فحفظها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ) رواه الترمذي وغيره .
فتم ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفظ السنة وتبليغها ، ويكون بذلك - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ دين الله عز وجل كاملاً ولم ينقص منه شيئاً .
________________________
(1) مجلة المنار ( 9/515) (2) أضواء على السنة المحمدية